“المدان” لـشريف محسن .. رواية التطهر الكبرى

بقلم/ إبراهيم محمد حمزة ” لقد أدركت يا “لوكاس ”  جوهر القصة إنى أباركك …… كانت حياتنا كلها دعة وأمنا وسلاما …. كل شىء يسر على ما يرام العدالة تسود العالم ، ليس ثمة جائع ولا مقرور ” المدان” لـشريف محسن .. رواية التطهر الكبرى تيقوس كازنتزاكس المسيح يصلب من جديد . في ليلة باردة، […] ظهرت المقالة “المدان” لـشريف محسن .. رواية التطهر الكبرى أولاً على جريدة المساء.

أغسطس 5, 2025 - 14:00
 5
“المدان” لـشريف محسن .. رواية التطهر الكبرى

بقلم/ إبراهيم محمد حمزة

” لقد أدركت يا “لوكاس ”  جوهر القصة
إنى أباركك …… كانت حياتنا كلها دعة وأمنا وسلاما ….
كل شىء يسر على ما يرام
العدالة تسود العالم ، ليس ثمة جائع ولا مقرور ”
المدان” لـشريف محسن .. رواية التطهر الكبرى
تيقوس كازنتزاكس
المسيح يصلب من جديد .
في ليلة باردة، يعود المهندس حسام إلى بيت العائلة، فيلا العجمي، المكان كما تركته العائلة منذ عشرين عاما، تصحبه ذكرياته الغادرة وكلبه الوفي”بلوخر” يعود إلى البيت فتعود له نفسه القديمة الطيبة، لعقد أكبر محاكمة للذات، يجلد فيها حسام ذاته، ويسمي نفسه : المُدان.
بحبكة متقنة يقدم لنا الكاتب دكتور شريف محسن روايته الجديدة، بعد أن قدم في أربع سنوات ثمانى روايات : واحة العذاب 2021م، جريمة قتل 2022م، زهور الربيع المتساقطة2023م ، أسير حرب2024م ، الزيارة الليلية2024م ،قصة ليست للنشر 2025م وأخيرا: المدان.
ـــ الحيوان ..بطلا :
” لا تزال نواتج الأدب العربى تكاد تكون خاوية من حيوانها الخاص ، أى أن هذا النتاج الروائى الضخم لا يتضمن نسبة معقولة من الحيوانات المؤثرة فى النص ” بهذه العبارة التى ترتسم فيها سخرية الأديب الراحل محمد مستجاب فى مقاله ” باب فى الحيوان الروائى ” بكتابه ” أمير الانتقام الحديث ” متناولا أسباب قلة الحيوان فى سردنا الحديث ، معللا ذلك بسبب وحيد وجيه هو إقامة المبدعين فى المدن ، وتحول الريف إلى المدنية ، فلا يتصور احد أن الحوت سوف يواجه نجيب محفوظ على شاطىء الاسكندرية ، او أن جملا هائما سوف يداهم بيت جمال الغيطانى ، أو أن يوسف القعيد سوف يدخل الحمام قبل الفجر ؛ ليفاجأ بقرد يعبث فى رافعة السيفون “

"المدان" لـشريف محسن .. رواية التطهر الكبرى 1 - جريدة المساء
د. شريف محسن

لكن كاتبنا يمنح ” الكلب” دورا سرديا شديد العاطفية، الكلب مقام الصديق الذي يتقبل كل شىء، لا يعترض، لا يطمع ، لكنه يظل سندا لصاحبه، وتنتهي حياة الكلب وهو يحاول إنقاذ صاحبه من الانتحار غرقا، حين يعود حسام يتذكر كم المصائب التى اقترفها عبر حياته، كلها مظالم موجهة لنساء أحببهن، الأولى (دانية)  زميلته في الدراسة الجامعية بلندن، تموت في حادث سير، ويعتصره الحزن، لكنه يتجه للخمر والمقامرة، ويفتح بابا لا يغلق لعلاقات بائعات الهوى،حتى يلتقي بـ “نادين” ويتعامل معها بوحشية ليلة دخلتها، وبعد فترة من العشق يطلقها، ويهدد أسرتها بنشر شريط جنسي لها معه، ويضغط على أبيها مبتزا إياه ويحصل على مليون جنيه، ثم يتطور الأمر وينهب حق أخته الوحيدة ” آيتن” وتسمر مسرة الدناءات في حياته، لكنه بعودته للعجمي، يتعرف على سيدة كبيرة كانت على معرفة طيبة بأمه، ويتعرف على صبي يعتبره مثل ابنه تماما، ويعمل معه مساعدا ، وتبدأ رحلة التطهر، عبر نقاء هذا الطفل الذي يقدم صورة بهية مدهشة للطفل/الرجل المتحمل للمسئوليات على كافة مستوياتها، وحينما تقوى علاقته بالكلب، يغرق الكلب ويستمر حزن الطفل عليه ، لكنه يرى من اعتبره والده يبكي كل ليلة، ويسعى الطفل والست هدى لإنقاذه، وبالفعل تنتهي الرواية بعدوله عن قرار الانتحار ، فهو (لم يعد مدانا).
ــ العودة للجذور:
تميزت كتابات دكتور شريف محسن السابقة،  بتعبيرها عن طبقة مرفهة، تسكن الفيلات وتعمل فى وظائف راقية، ربما كانت تعبيرا عن طبقة يعرفها المؤلف جيدا ، فهو أستاذ جامعي بكلية طب الأسنان جامعة القاهرة، رواياته السابقة تكاد تضىء بمسحة من الرومانسية، أبطال لا يتوقفون عن البكاء إلا قليلا ، في روايتنا سنجد أيضا الخط الرومانسي واضحا، لكنه يتلاقى مع الواقعية الرائقة التي تمنح أبطاله قيمة متفردة، رغم الفقر البادي عليهم، فالست هدى مثلا تحرص على إطعامه وتنظيف بيته، وتعتبره ابنها بعدما غرق ابنها الفعلي، بينما الطفل- زياد- يعطي كل ما يمكنه، يحب بلا مصالح ولا مطالب، الفقراء في الرواية نماذج طيبة، ورغم محدودية الحيز الروائي الذي تدور فيه الأحداث ، فإن لعبة التذكر تضئ جنبات الرواية، مقارنا بين ماض أولي عظيم وبين ماض تال حقير، ثم حاضر بلا طعم ولا أمل، حتى يجد الناس.. الناس الذين يلعبون الدور الأعظم ، فيحاول إعادة الحقوق قدر طاقته، حتى يتخلص من لقبه الذي منحه لذاته، ألا يظل مدانا.
ــ السرد ورشاقة اللغة:
يقول إحسان عبد القدوس في روايته ” الطريق المسدود”  ( الخطيئة لا تولد معنا ، ولكن المجتمع يدفعنا إليها ) بهذه الرشاقة يقول المبدع كلمته، وبهذه اللغة البديعة يكتب دكتور شريف محسن، يقول فى مقدمة الرواية: الإنسان إذا استيقظَ ضميرُه، وعجزَ عن تصحيحِ أخطائِه، فقدَ احترامَه الداخليَّ لشخصِه، وأصبحَ ظلَّ الإنسانِ الذي كانَ قبلَ أنْ يضلَّ، فلا يبقى له أملٌ في الحياةِ سوى انتظارِ النهايةِ”
بهذا المقتبس يؤكد الكاتب قدرته الفذة على البناء السردي واللغوي، فقد وضع فكرته التي بنى عليه سرديته، وفي كل فصل ينكشف نور ضئيل، ومع نهايات الرواية – حوالي 200 صفحة- تتكامل الصورة برشاقة لغوية مبهرة..
العامية غالبا هي لغة الحوار، نقرأ مثلا:
( كان الطريق إلى منزل الحاجة هدى ليس بالبعيد، أراد حسام أن يذهب بالسيارة، ولكن زياد قال له :
يا باشا ، خلينا نمشيها، دى كلها بتاع تلت ساعة مشى، وبعدين الجو جميل النهاردا
ضحك حسام وهو ينظر إلى السماء التي غابت عنها الشمس، ويسمع من آن لآخر أزيز الرياح، لكنه رضخ لطلب الصبى، شعر أن السير مع الصبى ربما يبعد عنه لبعض الوقت تلك الآلام النفسية التي يشعر بها.
موافق
يالا يا بلوخر، رد على الفور زياد وهو سعيد .
لغة راقية غير منحطة، رشاقة الانتقال بين المستويين : العامية والفصحى سردا وحوارا، الرواية تؤكد أننا أمام كاتب قادر على صنع مروية متكاملة، قائمة على فكر وقناعات عميقة، جاعلا الأدب دوما “وجهة نظر” معبرة عن ذاته.. ومع كل رواية ينتقل الكاتب لأرضية جديدة تماما بسلاح مقاتل حقيقي يحمل عقلا وقلما .

أدب النكسة وأثره علي الرواية المصرية في رسالة ماجستير مها عبدالعال

ظهرت المقالة “المدان” لـشريف محسن .. رواية التطهر الكبرى أولاً على جريدة المساء.

ما هو رد فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow