هويتنا الأخلاقية
بقلم : د.محمد السيد الجوهري (باحث في أصول التربية والتخطيط التربوي) يمتلك المجتمع المصري رصيدًا حضاريًا وإنسانيًا ضاربًا في عمق التاريخ؛ رصيدًا لم يتكون من الفراغ، بل نسجته عقود وقرون من التراكم الثقافي والديني. فالأخلاق في الشارع المصري ليست مجرد كلمات تقرأ في المناهج، بل أسلوب حياة يُمارس بعفوية منها: مساعدة المحتاجين، احترام الكبير والعطف […] ظهرت المقالة هويتنا الأخلاقية أولاً على جريدة المساء.
بقلم : د.محمد السيد الجوهري
(باحث في أصول التربية والتخطيط التربوي)
يمتلك المجتمع المصري رصيدًا حضاريًا وإنسانيًا ضاربًا في عمق التاريخ؛ رصيدًا لم يتكون من الفراغ، بل نسجته عقود وقرون من التراكم الثقافي والديني. فالأخلاق في الشارع المصري ليست مجرد كلمات تقرأ في المناهج، بل أسلوب حياة يُمارس بعفوية منها: مساعدة المحتاجين، احترام الكبير والعطف على الصغير، إكرام الضيف، صلة الرحم، المروءة في الحارة والحي، الجيرة الطيبة التي تعتبر جار الباب بمثابة الأخ، والوقوف المباشر بجانب المريض والمحتاج دون انتظار طلب.
ومقالي اليوم عن استعادة هذه القيم وهذا لا يعني الدعوة للعودة إلى الماضي بتفاصيله وزمانه؛ فلكل عصر أدواته ، لكن المقصود هو استعادة الجوهر الإنساني والاجتماعي الأصيل الذي يمنح المجتمع قوته وتماسكه، وتحويل تلك المبادئ إلى ركائز متجددة تساعد على بناء بيئة قائمة على الاحترام والتكافل وقبول الاختلاف.
ومن السهل السقوط في فخ التعميم وإصدار أحكام مطلقة تدعي أن “الأجيال الجديدة فقدت قيمها” أو أن “المجتمع يعاني تفككًا أخلاقيًا شاملاً”.
هذه الرؤى تفتقر إلى الموضوعية من وجهة نظري كرجل تربوي؛ فالأجيال الجديدة لم تولد فاقدة للقيم، ولا يوجد دليل علمي أو اجتماعي يثبت أن جيلًا أهدى سلوكًا من جيل بصورة مطلقة.
فالواقع يخبرنا بأننا لا نواجه أزمة في “ذات الأخلاق”، بل نواجه تحديًا عميقًا في “منظومة التربية على الأخلاق”.
ولقد أدى التحول التكنولوجي المتسارع، وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، وتغير أنماط الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إلى إيجاد بيئة جديدة كليًا لم تعد الأساليب النمطية القديمة قادرة على التعامل معها.
لذا المطلوب منا اليوم ليس الشكوى من الجيل الجديد، بل تطوير أدوات غرس القيم وتقديمها بلغة تناسب العصر وتخاطب العقل .
ويمكن تناول ذلك من خلال عدة محاور اهمها الأسرة التي تعد المدرسة الأولى والقدوة الحية، فالأسرة هي المحطة الأولى التي يتشكل فيها ضمير الطفل ووعيه بالسلوك البشري.
فالطفل يتعلم بملاحظة حركة الوالدين اليومية أكثر بمئات المرات مما يتأثر بالنصائح والحورات المباشرة.
وتتحدد ثقافة الطفل الأخلاقية عبر مشاهدات يومية بسيطة منها:
– احترام الكبير حين يرى الأبناء آباءهم يتعاملون بأدب ولين واحترام وتقدير مع الجدين.
– ويترسخ الصدق والوفاء لدي الأبناء عندما يشاهدون الكبار يلتزمون بكلمتهم ولا يلجئون للكذب والتبرير.
ـ ويتعلم ابناءنا معنى أن تمد أسرته يد العون للجيران أو تخصّص جزءًا من جهدها ووقتها لدعم المحتاجين
– وتنمو قيم المواطنة عندما تمنع الأسرة التعدي على الممتلكات العامة، وتؤدي ما عليها من واجبات بحس عالٍ من المسؤولية.
أما محور المدرسة فمهم ان نؤكد تربويا ان الهدف الأساسي للمدارس هو بناء الشخصية لا تحصيل الدرجات فقط،فالمدرسة ليست مجرد مطبعة لتفريغ المعلومات في أذهان الطلاب لإعادة كتابتها في الامتحانات؛ بل هي مؤسسة تربوية واجتماعية تُعنى بالبناء المباشر للضمير والشخصية.
ويتطلب إعادة تفعيل دور المدرسة الأخلاقي خطوات عملية منها:
ـ تحويل القيم إلى ممارسة من خلال نقل المفاهيم من كتب التربية الدينية إلى مواقف حياتية وتطبيقات مدرسية يومية.
– العمل الجماعي وتكافؤ الفرص من خلال تنمية روح الفريق في الأنشطة المختلفة سواء كانت انشطة رياضية أو فنية أوثقافية، ونشر ثقافة الاحترام المتبادل بين الطالب ومعلمه وبين الزملاء.
ـ مكافحة السلوكيات السلبية ويظهر ذلك في التعامل مع ظواهر التنمر، والعنف، والسخرية كقضايا تربوية وأخلاقية تستوجب العلاج والتوجيه المستمر، لا مجرد الإجراء الإداري الرادع.
ـ المسؤولية تجاه البيئة المدرسية من خلال تنظيم مبادرات يقوم فيها الطلاب بالمشاركة في تشجير المدرسة، وتنظيم نظافتها، والحفاظ على أثاثها لتنمية حس الملكية العامة.
اما محور المعاهد الأزهرية فهو المعني بترسيخ الوسطية وتجسيد القيم حيث تلعب المعاهد الأزهرية -وفق رسالتها التاريخية واختصاصاتها التعليمية والتربوية- دورًا حاسمًا في بناء الشخصية المتوازنة التي تجمع بين العلوم وتحقيق مقاصد الشريعة في السلوك العام.
وتتجلى رسالة المعاهد الأزهرية في:
ـ الوسطية والاعتدال من خلال تقديمها المفاهيم الشرعية بروح الفهم القائم على الرحمة، التسامح، واحترام الاختلاف.
ـ ربط العلم بالعمل وذلك بعدم الوقوف بالعلوم الشرعية عند حدود حفظ النصوص وتحليل المتون، بل ربطها بأخلاق المعاملة والتجارة والجوار والعمل.
ـ الثقافة المؤسسية الحية من خلال تحويل المعهد إلى بيئة يرى فيها الطالب القدوة الحسنة تجري أمام عينيه في سلوك المعلم والإداري، ليصبح الالتزام بالخلق ثقافة سائدة لا مجرد حصة دراسية ولعل الأزهر الشريف متمثلا في معاهده له العديد من المبادرات التي رسخت تلك القيم منها مبادرة الراقي بأخلاقي.
واذا تناولنا محور الإعلام فنؤكد أنه يمتلك قدرة هائلة على تشكيل الوعي ورسم الصورة الذهنية للسلوكيات المقبولة داخل المجتمع.
ورغم أنه لا يستطيع وحده إصلاح منظومة القيم، فإنه يُعد شريكا محوريًا في هذه العملية.
لذا فإن الدور المأمول للإعلام يتلخص في:
– تقديم النموذج الإيجابي من خلال التركيز على إبراز قصص الشهامة، التكافل، والكفاح الناجح بدلاً من تسليط الضوء المكثف على الجريمة أو السلوكيات الشاذة بداعي الترفيه أو جذب المتابعات.
– صناعة دراما واعية و استغلال الأعمال الدرامية والبرامج التفاعلية لترسيخ احترام كبار السن، دعم ذوي الهمم، وتعزيز ثقافة الحوار بدلاً من تعميق العنف اللفظي أو البدني.
ـ مواجهة خطاب الكراهية ورفض المحتوى الذي يكرس العنف أو التنمر أو السخرية من الفئات المختلفة داخل المجتمع.
وأخيرا محور الفضاء الرقمي حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي واقعًا يوميًا يصيغ مفاهيم الأجيال الشابة؛ وهي بطبيعتها سلاح ذو حدين، تعتمد قيمته على كيفية استخدام المجتمع لها.
من هنا تنبع أهمية التربية الرقمية، والتي تهدف إلى تحويل هذه المنصات إلى مساحات لبث القيم النافعة من خلال:
ـ ترسيخ أخلاقيات التواصل وتعليم الأبناء احترام خصوصية الآخرين، الابتعاد عن نشر الشائعات أو التشهير، والامتناع عن التعليقات القائمة على التنمر والتحقير.
– دعم المبادرات الإيجابية واستغلال قوة الانتشار الرقمي لنشر المبادرات التطوعية، حملات التبرع للخير، قصص النجاح الملهمة، والتوعية بالمسئولية المجتمعية.
اما مؤسسات المجتمع فلها دور مهم لنشر منظومة القيم والأخلاق، فلا يمكن لمنظومة القيم أن تؤدي دورها بفاعلية إذا عملت كل مؤسسة بمعزل عن الأخرى.
لذا فإن بناء المواطن الصالح يتطلب تكاملاً حقيقيًا بين المؤسسات كافة:
– المساجد والكنائس من خلال تقديم خطاب ديني وروحي يركز على قيمة الإنسان، إتقان العمل، ونشر السلام والمحبة.
– مراكز الشباب والجمعيات الأهلية من خلال توفيرها مساحات عملية للشباب لممارسة التطوع والخدمة العامة وتفريغ طاقاتهم فيما ينفع مجتمعهم.
– المؤسسات الثقافية والجامعات والنقابات من خلال قيادة الحوارات الفكرية، وتوفير البيئة التي تحترم العقل والمواطنة وتنشر قيم النزاهة المهنية.
وأخيرا يعد حب الوطن ممارسة يومية وسلوك يتجاوز الشعارات.
فالانتماء الحقيقي للوطن لا يُقاس برفع الشعارات وترديد الكلمات الحماسية فقط، بل يتجلى في الممارسة اليومية والسلوك المستقر الذي ينعكس على سلامة المجتمع واستقراره.
ويظهر حب الوطن عمليًا في:
ـ إتقان العمل والنزاهة وإنجاز المهام المطلوبة بكفاءة، وأداء الواجبات المهنية دون تواكل أو تقصير.
– احترام القانون والحفاظ على الممتلكات العامة.
والخلاصة فإن مجتمعنا اليوم يحتاج إلى الانتقال السريع من نمط “الوعظ والتلقين” إلى “صناعة البيئة الأخلاقية”.
فالأبناء والأجيال الجديدة لا يتعلمون الأخلاق عبر المحاضرات والخطب الطويلة بقدر ما يستوعبونها عندما يجدونها واقعًا مُعاشًا يتكرر أمامهم في البيت، المدرسة، المعهد، الإعلام، والشارع.
ظهرت المقالة هويتنا الأخلاقية أولاً على جريدة المساء.
ما هو رد فعلك؟