“إسحاق المُوصلي”.. أمير الشعر والغناء ودُرة مجالس الخلفاء
بقلم : أ.د : جمال زاهر (أستاذ الأدب والنقد – جامعة قناة السويس) أبو محمد إسحاق بن إبراهيم المُوصلي, ذو الفنون, وصاحب الموسيقى والشعر الرائق، والتصانيف الأدبية مع الفقه واللغة، وأيام الناس، والبصر بالحديث ، كان عالما ثقة, حلو النادرة، حسن المعرفة ، جيد الشعر، مذكورا بالسخاء , صاحب مكانة عند الأمراء , ومكرما من […] ظهرت المقالة “إسحاق المُوصلي”.. أمير الشعر والغناء ودُرة مجالس الخلفاء أولاً على جريدة المساء.
بقلم : أ.د : جمال زاهر (أستاذ الأدب والنقد – جامعة قناة السويس)
أبو محمد إسحاق بن إبراهيم المُوصلي, ذو الفنون, وصاحب الموسيقى والشعر الرائق، والتصانيف الأدبية مع الفقه واللغة، وأيام الناس، والبصر بالحديث ، كان عالما ثقة, حلو النادرة، حسن المعرفة ، جيد الشعر، مذكورا بالسخاء , صاحب مكانة عند الأمراء , ومكرما من الخلفاء والوزراء.
قال الأصمعي: دخلت أنا وإسحاق الموصلي يوما على الرشيد فرأيناه لقس النفس فأنشده إسحاق:
أرى الناس خُلاّنَ الكرامِ ولا أرى بخَيلاً له حتّى المماتِ خليل
وإني رأيتُ البُخل يُزْرِي بأهله فأكرمتُ نفسي أنْ يُقال بخيل
وكيف أخافُ الفقر أو أُحرَمُ الغِنَى ورأيُ أمير المؤمنين جميل
فقال الرشيد: لله در أبيات تأتينا بها ما أشد أصولها, وأحسن فصولها, وأقل فضولها, وأمر له بخمسين ألف درهم, فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه, فعلام آخذ الجائزة؟ فضحك الرشيد وقال: اجعلوها لهذا القول مائة ألف درهم.
وعندما نزل الخليفة الواثق إلى النجف نزل معه إسحاق الموصلي وأنشده قصيدته في وصف مدينة النجف:
لم يَنزِلِ الناسُ في سهلٍ ولا جَبَلٍ أَصْفَى هواءً ولا أَعْذَى من النَّجَفِ
حُفَّتْ بَبرٍّ وبَحْر من جوانبها فالبَرُّ في طَرَفٍ والبحر في طرفِ
وما يَزَالُ نسيمٌ من يَمَانِيَةٍ يأتيك منها برَيَّا رَوْضَةٍ أُنُفِ
فطرب الواثق وقال له : صدقت يا إسحاق هي كذلك, وأحسنت والله يا أبا محمد, وكناه يومئذ, وأمر له بمائة ألف درهم .
ولنا أن نتساءل عن سبب هذه التكرمة حين كناه , وسبب هذه المنحة السنية , ألإعجابه بشعره؟ أم لاستحسانه لغنائه؟ والموصلي مجيد فيهما جميعا , والواثق بارع فيهما أيضا, مما يجعل لرأيه وزنا.
وفي الحق أن إسحاق كان شاعرا متميزا , مثلما كان مغنيا رائعا , وروي عنه قوله للرشيد: يا أمير المؤمنين هذه صناعتي وصناعة أبي, وهي التي قربتنا منك, واستخدمتنا إليك, وأوطأتنا بساطك .
إن هذه الروايات تشي بالمكانة العالية والمنزلة الرفيعة التي نزلها إسحاق عند خلفاء بني العباس وكان المأمون يقول عنه: لولا ما سبق على ألسنة الناس وشهر به عندهم من الغناء لوليته القضاء بحضرتي, فإنه أولى به وأعف وأصدق وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة .
وعندما سأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنين فإذا أراده للغناء غناه, أجابه إلى ذلك, ثم سأله بعد حين أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء فأذن له, وبينما كان المغنون يجلسون يوما في حجرة لهم ينتظرون جلوس المأمون وخروج الناس من عنده إذ دخل قاضي القضاة يحيى بن أكثم ويده في يد إسحاق يماشيه حتى جلس معه بين يدي المأمون, فقال أحدهم : يا قوم أسمعتم بأعجب من هذا؟ يدخل قاضي القضاة ويده في يد مغن حتى يجلسا بين يدي الخليفة .
وكان الخليفة المعتصم يحفظ لإسحاق الموصلي مكانته، ويحترمه كثيرا ويقدر فيه موهبته الغنائية ومعرفته الواسعة في الألحان, ولم يعقد مجلس غناء للمعتصم دون أن يحضره إسحاق إلا نادرا, وأول يوم جلس فيه إسحاق يغني للمعتصم دفع إليه الخليفة وسادة إكراما له.
وكان الخليفة الواثق يقول: ما غناني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد لي في ملكي, ولا سمعته يغني غناء ابن سريج إلا ظننت أن ابن سريج قد نشر, وإنه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا فيتقدمه عندي وفي نفسي بطيب الصوت, حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو ورأيت من ظننته يتقدمه ينقص, وإن إسحاق لنعمة من نعم الملك التي لم يحظ بمثلها, ولو أن العمر والشباب والنشاط مما يشترى لاشتريتهن له بشطر ملكي .
لذا وصفه محمد بن عمر الجرجاني بقوله: كان- والله – إسحاق غرة في زمانه, وواحدا في دهره علما وفقها وأدبا ووقارا ووفاء وجودة رأي وصحة مودة , كان- والله- يخرس الناطق إذا نطق, ويحير السامع إذا تحدث, لا يمل جليسه مجلسه, ولا تمج الآذان حديثه, ولا تنبو النفوس عن مطاولته, إن حدثك ألهاك, وإن ناظرك أفادك, وإن غناك أطربك, وما كنت ترى خصلة من الأدب ولا جنسا من العلم يتكلم فيه إسحاق فيقدم أحد على مساجلته ومباراته .
ويقول عنه الأصفهاني: وموضعه من العلم ومكانه من الأدب ومحله من الرواية وتقدمه في الشعر ومنزلته في سائر المحاسن أشهر من أن يدل عليه فيها بوصف, وأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما يوسم به, وإن كان الغالب عليه وعلى ما كان يحسنه, فإنه كان له في سائر أدواته نظراء وأكفاء ولم يكن له في هذا نظير, فإنه لحق بمن مضى فيه, وسبق من بقي, ولحب للناس جميعا طريقه فأوضحها, وسهل عليهم سبيله وأنارها, فهو إمام أهل صناعته جميعا ورأسهم ومعلمهم, يعرف ذلك منه الخاص والعام, ويشهد به الموافق والمفارق .
وقال يحيى بن علي : وكان إسحاق أعلم أهل زمانه بالغناء , وأنفذهم في جميع فنونه, وأضربهم بالعود وبأكثر آلات الغناء, وأجودهم صنعة, وقد تشبه بالقديم وزاد في بعض ما صنعه عليه , وعارض ابن سريج ومعبدا فانتصف منهما , ولم يكن بعد إسحاق مثله.
وقال ابن المكي: تذاكرنا يوما عند أبي صنعة إسحاق وقد كنا بالأمس عند المأمون فغناه إسحاق لحنا صنعه في شعر ابن ياسين:
الطُّلول الدَّوارِسُ فارقتْها الأَوَانِسُ
أَوْحشت بعد أهلها فهي قَفْرٌ بَسَابِسُ
فقال أبي: لو لم يكن من بدائع إسحاق غير هذا لكفى, الطلول الدوارس كلمتان, وفارقتها الأوانس كلمتان, وقد غنى فيهما استهلالا وبسيطا وصاح وسجع ورجع النغمة واستوفى ذلك كله في أربع كلمات, وأتى بالباقي مثله, فمن شاء فليفعل مثل هذا أو ليقاربه, ثم قال: إسحاق والله في زماننا فوق ابن سريج والغريض ومعبد , ولو عاشوا حتى يروه لعرفوا فضله واعترفوا له به.
وسمع الواثق غناءه ولحنه في هذين البيتين فقال: انظر هل ترك إسحاق شيئا من الصنعة يتصرف فيه المغني لم يدخله في هذه الكلمات الأربع؟ بدأ بها نشيدا وتلاه بالبسيط وجعل فيه صياحا وإسجاحا وترجيحا للنغم واختلاسا فيها, وعمل هذا كله في أربع كلمات, فهل سمعت أحدا تقدم أو تأخر فعل مثل هذا أو قدر عليه؟
حقا .. كان الموصلي أمير الشعر وفارس الغناء , ودرة في مجالس الأمراء , ونجما ساطعا في بلاطات الوزراء والخلفاء.
***
ظهرت المقالة “إسحاق المُوصلي”.. أمير الشعر والغناء ودُرة مجالس الخلفاء أولاً على جريدة المساء.
ما هو رد فعلك؟