انتصر “أوديسيوس” في”طروادة”.. وخسر طريقه إلى نفسه !!

بقلم: د.نهال أحمد يوسف (أكاديمية وباحثة في الإعلام والاتصال والدراسات الثقافية) »» ابحثوا عن الإنسان الذي عاد من الحرب حيًا، واحتاج رحلة كاملة كي يتعلم كيف يعيش من جديد يقدم المخرج البريطاني الأمريكي كريستوفر نولان في فيلمه The Odyssey معالجة سينمائية للملحمة الشعرية المنسوبة إلى هوميروس، الشاعر الإغريقي القديم الذي تُنسب إليه أيضًا «الإلياذة». اهتمت […] ظهرت المقالة انتصر “أوديسيوس” في”طروادة”.. وخسر طريقه إلى نفسه !! أولاً على جريدة المساء.

أغسطس 5, 2026 - 20:00
 3

بقلم: د.نهال أحمد يوسف
(أكاديمية وباحثة في الإعلام والاتصال والدراسات الثقافية)

»» ابحثوا عن الإنسان الذي عاد من الحرب حيًا، واحتاج رحلة كاملة كي يتعلم كيف يعيش من جديد

يقدم المخرج البريطاني الأمريكي كريستوفر نولان في فيلمه The Odyssey معالجة سينمائية للملحمة الشعرية المنسوبة إلى هوميروس، الشاعر الإغريقي القديم الذي تُنسب إليه أيضًا «الإلياذة». اهتمت الإلياذة بحرب طروادة، بينما تابعت الأوديسة رحلة أوديسيوس، ملك إيثاكا، في طريق عودته إلى زوجته وابنه بعد انتهاء الحرب.

غير أن العودة في رؤية نولان لا تبدو مجرد رحلة بين طروادة وإيثاكا؛ إنها محاولة لاستعادة إنسان فقد نفسه داخل الحرب. انتصر الإغريق بفضل حيلة الحصان الخشبي التي ابتكرها أوديسيوس، ثم اكتشف صاحب الحيلة أن ذكاءه فتح أبواب المدينة أمام القتل والنهب والدمار.

خرج أوديسيوس من طروادة بطلًا في أعين قومه، وفي داخله رجل يشك في أهليته للعودة ملكًا وزوجًا وأبًا. فكيف يحكم شعبه بالعدل بعد مشاركته في كل هذه الوحشية؟ وكيف يدخل بيته بالشخصية نفسها بعدما عرف ما يستطيع الإنسان فعله حين تمنحه الحرب شرعية القتل؟

لهذا يمكن فهم سنوات التيه بوصفها امتدادًا نفسيًا للحرب. انتهى القتال، لكن طروادة ظلت حاضرة في ذاكرته. قد ينجو الإنسان من الحرب جسديًا، ثم يحتاج سنوات حتى يخرج منها روحيًا.

وكانت الأوديسة في أصلها شعرًا يُنشد داخل ثقافة شفوية، لذلك حاول نولان إيجاد معادل سينمائي لهذا الإيقاع الملحمي؛ فحلت حركة الأمواج محل إيقاع القصيدة، وأصبحت أصوات المجاديف والعواصف والمعدن نوعًا من الإنشاد، بينما جعل التصوير بكاميرات IMAX الإنسان صغيرًا أمام بحر أكثر اتساعًا من بطولته ومعرفته بنفسه.

ويتوقف الفيلم أيضًا عند الشقيقين أجاممنون ومينلاوس، اللذين تزوجا الشقيقتين كليتمنسترا وهيلين. وقد اختار نولان الممثلة الكينية المكسيكية لوبيتا نيونغو لتؤدي الشخصيتين معًا.

يثير الاختيار سؤالًا حول الدقة التاريخية؛ إذ لا تقدم النصوص القديمة أو الأدلة الأثرية ما يثبت أن أميرتي سبارتا كانتا من أصل إفريقي أسود. كما أن وصف هوميروس لهيلين ظل عامًا، ولم يرسم صورة حاسمة للون بشرتها أو ملامحها. ويبدو اختيار نيونغو رؤية تمثيلية معاصرة داخل قصة أسطورية، خاصة أن نولان أكد انجذابه إلى ما تمتلكه الممثلة من قوة واتزان وعمق انفعالي.

ويحمل أداؤها للشقيقتين بوجه واحد معنى رمزيًا لافتًا: هيلين هي المرأة التي حُمّلت مسؤولية بداية الحرب، وكليتمنسترا هي المرأة التي أعادت عنف الحرب إلى أجاممنون بعد عودته، انتقامًا لابنتهما إيفيجينيا التي ضحى بها حتى تتحرك السفن إلى طروادة. واحدة اختُزلت في جمالها واتُّخذت ذريعة للقتال، والأخرى حولت ألمها إلى انتقام. وهكذا يجمع الوجه الواحد بين بداية الحرب ونهايتها، ويكشف الثمن الذي دفعته النساء في صراع صنعه الرجال.

ولا يحاول هذا المقال حصر جميع شخصيات الفيلم ومحطات الرحلة، وإنما يتوقف عند عدد من المشاهد الأبرز لما تحمله من رموز تتصل بالغرور والوحشية والذاكرة وإغراء النسيان.

من أبرز هذه الاختبارات لقاء أوديسيوس ورجاله بالراعي العملاق بوليفيموس، ذي العين الواحدة. يدخل الرجال كهفه طلبًا للطعام والحماية، فيتحول المضيف إلى مفترس يلتهم ضيوفه.

يمكن قراءة عينه الواحدة بوصفها رؤية مغلقة لا ترى الإنسان كاملًا. وفي المقابل، تكشف المواجهة عيب أوديسيوس نفسه؛ إذ ينجح في الهرب بدهائه، ثم يعلن اسمه طلبًا للمجد، فيستدعي العملاق انتقام أبيه بوسيدون. أنقذه ذكاؤه، وأعاده غروره إلى الخطر.
وفي محطة أخرى، تحوّل الساحرة سيرسي رجال أوديسيوس إلى خنازير. يكشف التحول طبيعتهم بعد سقوط قشرة التحضر؛ فقد وصلوا مدفوعين بالجوع والشهوة والاستهلاك، فجاءت هيئاتهم الجديدة متوافقة مع سلوكهم.
تعيد سيرسي أوديسيوس إلى السؤال الذي يطارده منذ طروادة: هل يحتاج الإنسان إلى السحر حتى يتحول إلى وحش؟ لقد شاهد جنودًا يفعلون بالمدينة ما تفعله الحيوانات بفرائسها، وهم مقتنعون بأن النصر يمنحهم الحق في ذلك. وهكذا تصبح سيرسي مرآة تكشف ما تفعله القوة حين تتحرر من الأخلاق.

ومع اقتراب الرحلة من مرحلتها الأخيرة، يصل أوديسيوس إلى كاليبسو واللوتس. ووفق ملحمة هوميروس، أمضى سبع سنوات في جزيرة كاليبسو التي أنقذته من الغرق ثم حاولت الاحتفاظ به، عارضة عليه الخلود.

لا تمثل السنوات السبع واقعة تاريخية موثقة؛ إنها تنتمي إلى الزمن الشعري للأسطورة. ورمزيًا، تعبر عن زمن متوقف خرج خلاله أوديسيوس من أدواره القديمة. أصبح رجلًا حيًا بلا هوية، معلقًا بين موت نجا منه وحياة يخشى العودة إليها.

وفي معالجة نولان، تقدم كاليبسو إليه زهرة اللوتس لتسكين ذاكرته. يغير الفيلم هنا ترتيب ملحمة هوميروس؛ فقد ظهر آكلو اللوتس مبكرًا في النص الأصلي، وكان بعض رجال أوديسيوس هم الذين فقدوا رغبتهم في العودة. أما الفيلم فيضع اللوتس في المرحلة الأخيرة ويجعل أوديسيوس نفسه مهددًا بفقدان الرغبة في الرجوع.
بعد أن واجه العنف عند بوليفيموس والوحشية في عالم سيرسي، يواجه الآن خطرًا أكثر هدوءًا: الراحة. يكفي أن يأكل الزهرة كي ينسى طروادة وإيثاكا معًا. تمثل كاليبسو إغراء الحياة بلا ألم، بينما تمثل بينيلوبي وإيثاكا الأمل الذي يتطلب مواجهة الذاكرة.

وتثير اللوتس سؤالًا بصريًا؛ فصورتها الشائعة مرتبطة باللوتس الأزرق المصري الذي ينمو في مياه النيل، ولذلك يبدو ظهور زهرة مائية على ساحل رملي غير منطقي. لكن هوية «لوتس» هوميروس ليست محسومة؛ فالنص يتحدث عن ثمرة حلوة قد تكون من شجيرة متوسطية قريبة من السدر وقادرة على النمو في البيئات الجافة. وربما استعار نولان الشكل المصري المعروف لقوته الرمزية؛ فاللوتس في الفيلم تنمو داخل رغبة أوديسيوس في النسيان أكثر مما تنمو في رمال الجزيرة.

ومن الضروري التمييز بين الآلهة الهوميرية ومفهوم الله في الأديان التوحيدية. آلهة الميثولوجيا الإغريقية شخصيات متعددة استخدمها القدماء لتجسيد قوى الطبيعة والقيم والمخاوف؛ فبوسيدون يمثل البحر وغضبه، وأثينا ترتبط بالحكمة، وزيوس بالنظام وقانون الضيافة. ويحد نولان من ظهورها المباشر، فتظل العاصفة قابلة للقراءة كغضب بوسيدون، أو كقوة طبيعية، أو كامتداد لشعور أوديسيوس بالذنب.
ولا تقوم العودة على إرادة أوديسيوس وحده. ففي إيثاكا، تتمسك زوجته بينيلوبي بذكراه وتقاوم الخُطّاب الذين يريدون إعلان موته والاستيلاء على بيته وعرشه. لم يكن انتظارها سكونًا؛ فقد استخدمت حيلة النسيج، تنسجه نهارًا وتفكه ليلًا، كي تؤجل الزواج وتحافظ على البيت.
ويشاركها الخادم الوفي يوميوس هذا الإيمان. ظل مخلصًا لسيده رغم مرور السنوات وانتشار الاعتقاد بموته. كان أوديسيوس يقاوم البحر كي يعود، بينما قاوم يوميوس وبينيلوبي النسيان حتى يجد بيتًا ما زال يتذكره.

يقدم مات ديمون أوديسيوس في صورة محارب قوي ومنهك، يحمل وجهه أثر الحرب، ويعبر صمته عن شعور بالذنب لا يحتاج إلى خطب. أما توم هولاند فيجسد تيليماخوس، الابن الذي لم يخض الحرب لكنه ورث غيابها وآثارها. ومن خلال توتره وتردده، يقدم شابًا يبحث عن معنى للرجولة يختلف عن البطولة القائمة على السلاح.
حين يصل أوديسيوس إلى إيثاكا، تنتهي الرحلة الجغرافية ويبدأ الاختبار الأخلاقي. يستطيع استعادة البيت والعرش، لكن استعادة ذاته تتطلب الاعتراف بما فعلته الحرب داخله.
انتصر أوديسيوس في طروادة بالحيلة، ثم احتاج سنوات طويلة ليتعلم كيف يعود إنسانًا. وحين أوشك على نسيان هويته، ظلت بينيلوبي ويوميوس متمسكين بذكراه، كأن الوطن لا يصبح ممكنًا إلا حين يوجد فيه شخص يؤمن بأننا ما زلنا قادرين على العودة.
ادخلوا الفيلم، ولا تبحثوا فقط عن الحصان الخشبي والوحوش والجزر الغامضة..ابحثوا عن الإنسان الذي عاد من الحرب حيًا، واحتاج رحلة كاملة كي يتعلم كيف يعيش من جديد.

ظهرت المقالة انتصر “أوديسيوس” في”طروادة”.. وخسر طريقه إلى نفسه !! أولاً على جريدة المساء.

ما هو رد فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow