أكتوبر.. حين علّمت مصر أبناءها أن المستحيل ليس قدرًا 

بقلم : د. شيماء محسن عبدالحي  (خبير إدارة الموارد البشرية والتنمية المستدامة) «أكتوبر لم يعلّمنا كيف نعبر قناة السويس فقط، بل علّمنا أن أعظم المعارك تبدأ من داخل الإنسان: بإرادة لا تستسلم، وعقل يخطط، وعلم يطوّر، وضمير يعرف أن بناء الوطن مسؤولية.». »» في كل عام يأتي السادس من أكتوبر، فنستعيد ذكرى واحدة من أعظم […] ظهرت المقالة أكتوبر.. حين علّمت مصر أبناءها أن المستحيل ليس قدرًا  أولاً على جريدة المساء.

أكتوبر 20, 2026 - 00:00
 3

بقلم : د. شيماء محسن عبدالحي 

(خبير إدارة الموارد البشرية والتنمية المستدامة)

«أكتوبر لم يعلّمنا كيف نعبر قناة السويس فقط، بل علّمنا أن أعظم المعارك تبدأ من داخل الإنسان: بإرادة لا تستسلم، وعقل يخطط، وعلم يطوّر، وضمير يعرف أن بناء الوطن مسؤولية.».

»»

في كل عام يأتي السادس من أكتوبر، فنستعيد ذكرى واحدة من أعظم صفحات التاريخ المصري الحديث، لكن قيمة أكتوبر الحقيقية لا ينبغي أن تتوقف عند الاحتفال بالنصر أو استحضار صور العبور والبطولات؛ لأن أعظم ما تركته لنا حرب أكتوبر ليس فقط ما حدث في ساحات القتال، وإنما الدروس التي يمكن أن تتحول إلى منهج حياة لأبنائنا وشبابنا.

لقد كانت حرب أكتوبر نموذجًا متكاملًا في التخطيط والإعداد والتدريب والعمل الجماعي والإصرار على تحقيق الهدف. وتؤكد وثائق وزارة الدفاع أن التخطيط الاستراتيجي للحرب قام على دراسة دقيقة للدروس السابقة، وإعداد خطط متكاملة، واختبارها ومراجعتها، وهو ما يوضح أن الانتصار لم يكن وليد لحظة، وإنما نتيجة سنوات من الإعداد والعمل والتعلم.

ومن هنا أرى أن رسالتنا اليوم إلى أبنائنا وشبابنا يجب أن تكون واضحة:

لا تنتظر أن يكون الطريق سهلًا حتى تبدأ.. تعلّم من أكتوبر أن الطريق الصعب يمكن أن يكون بداية الإنجاز الأكبر.

أول درس: لا يوجد مستحيل أمام الإرادة المنظمة

ربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يجب أن يصل إلى شبابنا.

كان أمام القوات المصرية تحديات ضخمة، وكان خط بارليف يُنظر إليه باعتباره مانعًا شديد الصعوبة، لكن التخطيط والعلم والتدريب والإرادة استطاعت تحويل ما يبدو مستحيلًا إلى واقع.

وهنا يجب أن نفرّق بين الأمل الساذج والإرادة الواعية.

الإرادة الحقيقية ليست أن تقول: «سأنجح» فقط، وإنما أن تسأل: ماذا أحتاج حتى أنجح؟ وما المهارات التي يجب أن أتعلمها؟ وما الأخطاء التي يجب أن أتجنبها؟ وما الخطة التي يجب أن أضعها؟

وهذه هي الرسالة التي نحتاج أن نغرسها في أبنائنا في عصر سريع التغير:

الحلم وحده لا يكفي.. والإرادة وحدها لا تكفي.. وإنما الإرادة التي تتحول إلى علم وتخطيط وعمل هي التي تصنع النجاح.

ثاني درس: التخطيط قبل التنفيذ

حرب أكتوبر تقدم نموذجًا شديد الأهمية في علم الإدارة.

لم يبدأ الانتصار يوم السادس من أكتوبر فقط، بل بدأ قبل ذلك بسنوات من الإعداد والتدريب وإعادة التنظيم ودراسة الأخطاء وبناء القدرات.

وهذا درس إداري وإنساني بالغ الأهمية.

الشاب الذي يريد النجاح في دراسته، أو تأسيس مشروع، أو الحصول على وظيفة، أو بناء مستقبل مهني، لا يمكنه أن يعيش بمنطق رد الفعل.

ضع هدفًا.. حدد إمكاناتك.. اعرف نقاط قوتك وضعفك.. ضع البدائل.. ثم ابدأ التنفيذ.

فالأهداف العظيمة لا تتحقق بالأمنيات، وإنما تتحول إلى واقع عندما تصبح لها خطة واضحة ومسؤولية ومتابعة وتقييم.

ثالث درس: الفشل ليس نهاية الطريق

ومن أعظم الدروس التي يجب أن يتعلمها شبابنا أن الهزيمة لا تعني النهاية.

لقد استفادت مصر من دروس يونيو 1967، وأعادت بناء قدراتها، وخاضت حرب الاستنزاف، وطورت التدريب والإعداد، وصولًا إلى حرب أكتوبر.

وهذا يعني أن الإنسان الناجح ليس هو الذي لم يتعرض للفشل، وإنما هو الذي يعرف كيف يحول الفشل إلى خبرة، والخطأ إلى معرفة، والتحدي إلى فرصة جديدة.

وهذه ثقافة نحتاج إلى نشرها بين أبنائنا.

لا نريد جيلًا يخاف من الخطأ، بل نريد جيلًا يتعلم من الخطأ.

لا نريد شابًا ينهار أمام أول عقبة، وإنما شابًا يقول: ماذا تعلمت؟ وكيف أبدأ من جديد؟

رابع درس: العمل الجماعي يصنع ما لا يستطيع الفرد وحده أن يصنعه

أكتوبر لم يكن بطولة فرد واحد.

كان منظومة متكاملة من التخطيط والتنفيذ والتنسيق والتعاون.

وهذا هو مفهوم المؤسسات الناجحة في العصر الحديث.

فالمؤسسة لا تنجح بشخص واحد، والوطن لا يبنى بجهد فئة واحدة، والمجتمع لا يتقدم إذا عمل كل فرد بمعزل عن الآخرين.

ومن هنا يجب أن يتعلم أبناؤنا قيمة الفريق، واحترام التخصص، والاستماع للآخر، وتحمل المسؤولية.

الشاب الناجح ليس فقط من يثبت أنه الأفضل، وإنما من يستطيع أن يجعل فريقه كله أفضل.

خامس درس: العلم والمعرفة جزء من القوة

أكتوبر أيضًا يثبت أن القوة ليست في السلاح وحده، وإنما في العقل الذي يعرف كيف يستخدم الإمكانات المتاحة بأفضل صورة.

وهذا الدرس شديد الأهمية في عصر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والثورة الرقمية.

نحن أمام شباب يمتلك أدوات لم تكن متاحة لأجيال سابقة، لكن امتلاك التكنولوجيا لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على استخدامها.

لذلك فإن معركة الأجيال الجديدة ليست معركة معلومات فقط، وإنما معركة وعي ومعرفة وقدرة على التفكير النقدي والابتكار.

إذا كان جيل أكتوبر قد واجه تحدياته بالعلم والتدريب والتخطيط، فإن شباب اليوم عليه أن يواجه تحديات عصره بالتعليم والابتكار والتكنولوجيا وريادة الأعمال.

سادس درس: الثقة بالنفس لا تعني الغرور

أكتوبر أعاد للإنسان المصري ثقته في قدرته.

وهذه الثقة مطلوبة جدًا في شخصية أبنائنا.

لكن علينا أن نعلمهم أن الثقة الحقيقية لا تعني التقليل من الآخرين، ولا تعني الادعاء بأننا نعرف كل شيء.

الثقة الحقيقية تعني أن أعرف قدراتي، وأطور نقاط ضعفي، وأحترم منافسي، وأستعد جيدًا، ثم أخوض التحدي وأنا مؤمن بقدرتي على النجاح.

سابع درس: الانتماء ليس كلمة.. وإنما سلوك

من أهم الرسائل التي يجب أن تصل إلى شبابنا أن حب الوطن ليس مجرد شعارات تُقال في المناسبات.

الانتماء الحقيقي يظهر عندما يحافظ الطالب على مدرسته، والعامل على عمله، والطبيب على أمانة مهنته، والمهندس على جودة مشروعه، والمعلم على رسالته، والشاب على مستقبله، وكل مواطن على المال العام والقانون والمصلحة العامة.

الوطن لا يحتاج فقط إلى من يدافع عنه في لحظات الخطر، وإنما يحتاج كل يوم إلى من يبني ويعمل ويتعلم ويحافظ وينتج.

وهنا يتحول مفهوم الوطنية من مجرد مشاعر إلى سلوك يومي ومسؤولية مستمرة.

ثامن درس: مصر تستطيع عندما تؤمن بقدرات أبنائها

أكتوبر يقدم لنا رسالة أخرى شديدة الأهمية: الاستثمار في الإنسان ليس رفاهية.

فكلما امتلك الإنسان علمًا ومهارة وانضباطًا ووعيًا وقدرة على العمل الجماعي، أصبحت الدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات.

ولهذا فإن بناء الإنسان المصري يجب أن يظل في مقدمة أولوياتنا.

نحن لا نريد فقط أن نعلم أبناءنا كيف يحصلون على الدرجات، وإنما نريد أن نعلمهم كيف يفكرون، وكيف يخططون، وكيف يتحملون المسؤولية، وكيف يواجهون الفشل، وكيف يحولون أفكارهم إلى إنجازات.

رسالتي إلى أبنائنا وشباب مصر

يا أبناء مصر..

أنتم لم تعاصروا السادس من أكتوبر، لكنكم تستطيعون أن تعيشوا قيم أكتوبر كل يوم.

عندما ترفض الاستسلام للفشل.. فأنت تتعلم من أكتوبر.

عندما تضع خطة لمستقبلك وتلتزم بها.. فأنت تتعلم من أكتوبر.

عندما تتعلم مهارة جديدة بدلًا من إضاعة وقتك.. فأنت تتعلم من أكتوبر.

عندما تعمل مع زملائك بروح الفريق.. فأنت تتعلم من أكتوبر.

عندما تستخدم التكنولوجيا في بناء مستقبلك بدلًا من أن تسمح لها بسرقة وقتك ووعيك.. فأنت تتعلم من أكتوبر.

وعندما تؤمن أن مصر تستحق منك أن تتعلم وتعمل وتنجح وتبدع.. فأنت بالفعل تحمل رسالة أكتوبر إلى المستقبل.

إن أعظم تكريم لأبطال أكتوبر ليس أن نرفع صورهم في المناسبات فقط، وإنما أن نربي جيلًا يعرف قيمة التضحية، ويحترم العلم والعمل، ويؤمن بأن بناء الوطن مسؤولية.

لقد عبر أبطال أكتوبر قناة السويس.. أما عبورنا نحن فيجب أن يكون من التحديات إلى الإنجاز، ومن الاتكالية إلى المسؤولية، ومن استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن انتظار المستقبل إلى صناعة المستقبل.

وفي تقديري، فإن أهم رسالة يمكن أن نقدمها لأبنائنا اليوم هي:

«لا تسألوا فقط كيف انتصر جيل أكتوبر في معركته.. بل اسألوا أنفسكم: ما المعركة التي يجب أن نخوضها اليوم من أجل مستقبل مصر؟»

فمعركة اليوم ليست عبور قناة، وإنما عبور إلى الجمهورية التي يصنعها العلم، والعمل، والوعي، والابتكار، والانضباط، والانتماء.

وهكذا يصبح أكتوبر حيًا في وجدان الأجيال؛ ليس مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام، وإنما منهجًا نبني به الإنسان، ونحمي به الوطن، ونصنع به المستقبل.

ظهرت المقالة أكتوبر.. حين علّمت مصر أبناءها أن المستحيل ليس قدرًا  أولاً على جريدة المساء.

ما هو رد فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow