قراءة نقدية للمجموعة القصصية “هي والظل” للأديبة جيهان عوض البنا

في إطار أنشطته الأدبية والثقافية ناقش نادي أدب دمياط المجموعة القصصية “هي والظل” للأديبة جيهان عوض البنا،بحضور الأديب الروائي الكبير سمير الفيل وكوكبة من الأدباء وأعضاء النادي. وقد شارك في المناقشات الأديب الروائي ابراهيم الديب بدارسة نقدية عن المجموعة ننشرها عبر هذه السطور. »» رؤية نقدية بقلم ✍️ ابراهيم الديب مجموعة هي والظل للأستاذة جيهان […] ظهرت المقالة قراءة نقدية للمجموعة القصصية “هي والظل” للأديبة جيهان عوض البنا أولاً على جريدة المساء.

أكتوبر 3, 2024 - 19:00
 12
قراءة نقدية للمجموعة القصصية “هي والظل” للأديبة جيهان عوض البنا

في إطار أنشطته الأدبية والثقافية ناقش نادي أدب دمياط المجموعة القصصية “هي والظل” للأديبة جيهان عوض البنا،بحضور الأديب الروائي الكبير سمير الفيل وكوكبة من الأدباء وأعضاء النادي.

وقد شارك في المناقشات الأديب الروائي ابراهيم الديب بدارسة نقدية عن المجموعة ننشرها عبر هذه السطور.

»»

رؤية نقدية بقلم ✍️ ابراهيم الديب

مجموعة هي والظل للأستاذة جيهان البنا يجمعها خيط فكري واحد أقرب للمتتالية السردية ، هي نصوص متجاورة فلا تشعر أثناء القراءة أنك انتهيت من قصة عندما تدخل في أخرى ،إنما هو امتداد واحد بإحساس واحد: تدور معظم أحداثها عن عالم المرأة هذه المجموعة أقرب لسجلا واسعا بانوراميا للأصداء النفسية والعقلية والفكرية للمرأة: صوتا أنثويا واضحاً حيث تتحدث المرأة ؛ وتكتب عن ذاتها وعما تكابده وتعانيه من الم، حزن او تشعر به من فرح و سعادة بأسلوب عميق شفيف مركز ، لعل رسالة الكاتبة في هذه المجموعة تتلخص في أن في كل صدر قلب، وفي كل قلب همه الفريد وهو في رحلة الحياة.

تتمتع الكاتبة بموهبة رصد الأحداث في عنفوانها ولديها ما تقوله، ولها موقف من الحياة والكون والأشياء ،ولذا نجد التشكيل البصري حاضراً لبراعة قلمها وقدرته ؛على رسم المشهد الحياتي بأدق تفاصيله بإيجاز شديد دون ثرثرة أو طرطشة لغوية ، ورسمها برشاقة قسمات وملامح شخصية المرأة في كل مراحل حياتها العمرية، فشخصية المرأة من البروز والوعي بنفسها ما يجعلها قادرة على عكس ثقافة وهموم عصرها وسياقه التاريخي: من خلال الأقنعة المتعددة التي ارتدتها المرأة بعدد نصوص المجموعة: تعبر عن نفسها المضطربة حد العاصفة فوقفنا من خلال السرد على دخيلة المرأة، و سبر اغوارها لبراعة الكاتبة على النفاذ وكشف ما تموج اعماق الأنثى وعلى فض مكنونها وعرضه على القارئ وكأنه يشاهد لا يقرأ، فبدا جليا أن للكاتبة حظا كبيراً ونصيبا وافرا من القراءة في علم النفس التحليلي .

شعور يداهمني أثناء القراءة أن الكاتبة تخشى أن تغيب شمس ذاكرتها أو تندثر في زحمة الحياة، إنه الشوق والرغبة فى البوح، فترسم بنفس تدفق البداية وسرعتها لنهاية المجموعة، فتنحت لنا صوراً بصرية مشحونة بالإحساس محملة بطاقات من النور والامل مستلهمة من أوجاع الماضي حكايات عذبة فنجحت في رسم عالمها القصصي بسهولة ويسر فخرجت حكايتها وقصصها نسيجا متصلاً لا تنفك خيوط عقده، ولا تفلت منها اللحظة القصصية طال حكيها أو قصر انتهجت خلالها دروبا كثيرة قادرة على الوصول لقلب وعقل القارئ أنها قصص خاصةً جدآ حولتها الكاتبة لعام يقرأه للجميع : تنتصر فيها لأبطالها التي ترى فيهن عيونا ساهرة وقلوبا نابضة وعقولا حالمة ، قد تكون مواضيع القصص من التي نلقاها في الطريق كما يقول الجاحظ ، ولكنها حظيت بعرض ممتع بديع بتركيز ووضوح ، لنشارك جارسيا ماركيز رأيه :ليس المهم ما تقوله، ولكن المهم هو كيف تقوله، وبدا أيضاً أن للكاتبة تجربة حياتية عريضة وليست ثقافة ذهنية مصدرها الكتب فقط كما قال ” جوتة” إذا أردت أن تكون كاتباً فعليك بالنظر في الكتب مرة وفي الحياة مرتين وهذا ما حدا بالقارئ التعاطف مع شخصياتها وتوحده معها يرثي لحزنها ويسعد لفرحها.
*******
القصص:
كما في قصة فاتن التي نجحت القاصة في تصوير حياة الفتاة الجميلة التي تدرك أن رأس مالها هو جمالها فخرجت شخصيتها من يد الكاتبة و ريشتها في بضعة خطوط سريعة حاسمة, برزت من خلالها إنسانة من لحم ودم يستطيع القارئ ان : يتبين سماتها الداخلية وملامحها الخارجية وهي سمات فتاة تطمح في مغادرة طبقتها الاجتماعية لأخرى أكثر منها ثراء ورقيا ،وباتت على قناعة أن جواز مرورها للصعود هو جمالها ،و أثناء سيرها في رحلتها الخطرة على حبل رفيع بين اعجاب الناس بما تحققه وتصفيقهم لها ،وبين فشلها وسقوطها هي مسافة ضئيلة جداً فكان السقوط من نصيبها، استبطنت الكاتبة بنت عصرها وسياقه التاريخي فهي جزء منه :يأثر فيها وتأثر فيه فعكست ثقافته بداخل النص وبدا ذلك واضحاً برصدها تحولات اجتماعية و تاريخية تتمثل في شبكة التواصل الاجتماعي وتضمينها بداخل القصة نقاشا عنها وكلمات مثل اليوتيوب والترند واليويتبر..
*********
وقصة غزل البنات تسرد حياة؛ فتاة في مقتبل العمر تعاني أزمة نفسية قاسية سببتها علة: اعاقت جسدها النمو بصورة طبيعية مثل اقرانها ممن يشاركنها نفس سنين العمر فالعقل ينضج والنفس ترقى وتبرز راغبة في عيش مرحلتها العمرية و لكن الجسد يرفض بتخلفه اللحاق بالنفس يساعد في ذلك وجهها الطفولي الذي يكذب تجاوزها مرحلة الطفولة كما يكذبها الكبار حين اخبارها لهم إحساساً وشعورا مما يعيشونه مما يداهم الفتيات في هذا السن لتصبح بسبب بوحها: مادة لسخريتهم ونظرات لها حارقة وأخرى مستخفة تتهمها بالتطفل على مرحلة عمرية لا تنتمي اليها لتنطوي بعدها على نفسها حزينة ليتعاطف القارئ ويتوحد معها مشاركا لها أزمة نفسية حادة ، بعد وقوفه على معاناتها من خلال عدة مواقف حياتية تلقائية عفوية غير مفتعلة تخبر عن تطور الشخصية بصورة منطقية استجابة لأحداث القصة، أثناء مداعبة بائع غزل البنات لها من باب المزاح بالصغيرة دوماً فتضطرب نفسها حد العاصفة ويزدحم خيالها بصور كل من سخر منها ، ثم تهرع مسرعة لوالدتها سائلة : متي تكبر مثل البنات ، ويجمعها لقاء ببائع غزل البنات صدفة فتعرض عنه ،ويدور حوار بينه وبين والدتها يصف من خلاله البائع والدتها بالصغيرة فغمرت الفرحة وجه والدتها التي أخبرها البائع أن سر سعادته في الحياة هو الطفل الصغير الذي يطل من حين لآخر من داخله و يري الحياة بعينه فاستخفت الفرحة بنفس الفتاة فطلبت من والدتها سبقاها في العدو ..
***********
قصة: برائحة الياسمين من أجمل قصص المجموعة لسرد الكاتبة الاقرب للغة صوفي متعبد متفلسف يتفرس في الكون الفسيح: فقد توحدت البطلة رقيقة الحس والشعور مع الطبيعة وذابت فيها وكأنها جزء شاردا يشكو غربة طالت عليه ،عاد للكل بإحساس، رجوع الوليد لصدر أمه بعد طول انتزاع ، فالأرض أمها الشمس والبحر، وزرقة السماء ،والمروج الخضراء كل ذلك كان حاضرا في عرس كوني، تعيه البطلة نفسياً ,وجدانيا وعقليا, وتمتلأ به ، شعور بتبعثرها ، وتلاشيها ،في الأثير معانقة للوجود ، هذه القصة من أجمل ما قرأت في وصف الانسان للطبيعة ومغازلته لها.
**********
قصة “ظل رجل” بطلتها فاطمة التي باتت لفظة العنوسة أكثر التصاقا بها من اسمها لعدم طرق الخطاب لبابها مصحوباً بغمز من المحيطين لها وهي الفتاة المثقفة ليحولها من حولها لمادة بوضعها تحت المجهر وخاصة من فتيات اصغر منها سنا اصبحن امهات فلم تجد فاطمة خلاصا لروحها في الهروب من شبح العنوسة و سجن جدرانه الكئيبة الموحشة لها ،الا في نصيحة احدى صديقاتها المقربين منها لسجن آخر بقبول حمدي الفقير المعاق ولكنه يعتقد أن غده أفضل من يومه وامسه ،ثم تطلق منه فلقب مطلقة أخف وقعا من لقب عانس فوافقت فاطمة على مضض ولكنها بعد الزواج وجدت شريكاً لحياتها وظيفته في الحياة هي سعادتها فهو من نبل النفس ورقيها و من جمال الروح حدث ولا حرج ،ووجدت في أسرته ملاذاً آمنا و حضنا دافئاً فقامت بزيارتها واحدة من اللائي سبقنها بالزواج والانجاب ونالت منها غمزا ولمزا وقبل انصرافها من عند فاطمة أرادت النيل منها مرة أخرى لعدم الإنجاب الى الآن وغمزت ولمزت لكونه نتيجة لإعاقة زوجها ولكن بعد انصرافها حملقت فاطمة في شريط الحمل لتكتشف انها تحمل في احشائها من صلب زوجها وهذه القصة تطبيقا عمليا لشطر الآية الكريمة وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم..
*******”
وقصة “غريب” وهي معزوفة إنسانية مفعمة بمشاعر الأسى والانكسار: تسرد وتصور وتستبطن حياة الصغار من خلال مواقف يومية بسيطة لنقف على قسمات الشخصية مرسومة بدقة من خلال ردة فعلهم العفوية البريئة عليها رداً على قسوة الحياة عليهم، بعد انتزاع الغربة لهم من احضان الاهل تسرق منهم طفولتهم وهي اجمل سنين العمر لتبدلهم بها رجولة مبكرة، لم يسعوا إليها ولكنهم يمارسونها قسراً عنهم، تعبث بهم الحياة فلم يجدوا بدا من العبث بها لعل الكاتبة أرادت إيصال رسالة أن الحياة تستحق أن تعاش تحت أي ظرف..
***********
قصة على الهواء التي صورت فيها الكاتبة ببراعة غيرة الزوجة على زوجها وما يداهمها من وساوس قاتلة تقتات من روحها وتؤرق نفسها بشأن علاقة ما لزوجها مع اخرى يخبرها به حدسها على الدوام لتكتشف حقيقته في مفارقة على الهواء أثناء لقاء تليفزيوني..
********
قصة” عشرون عاماً وأكثر ” التي تدور أحداثها عن زوجة عاشت عشرين عاماً مع زوجها في جحيم وبعد عدة محاولات للخلاص منه ، انتظرته كحلم وأمل داعبها ليل نهار من أجل تحرير روحها بالانعتاق من سجن أيامه وقهر لياليه وعند اقتراب تحقيق حلمها تحطم على صخرة اليأس لترتد كسيرة لسجن الزوج مرة أخرى هروباً من سجن آخر أشد قسوة يتمثل في نظرة المجتمع وتقاليد تتمتع في بعض الأحيان بسطوة أشد من سطوة القانون والدين فاستبدلت سجن الزوج وعذابه مستجيرة به من جحيم اقسى منه وأشد المجتمع..
********
قصة” ممسوسة” قصة عزلت في قفص ذهبي مع كتبها فأعتقد والديها أنها ممسوسة لتمثيلها بعض مشاهد أحد القصص التي قرأتها وهي في نفس الوقت وسيلة اتصالها الوحيدة مع العالم وتلك قمة مأساتها وهي العزلة التي ظن فيها والديها أن قمة السعادة في توفيرهم اسباب المعيشة حياتها المادية..
********
اللغة:
لغة الكاتبة شفيفة حية منسابة تحمل وتعبر عن نسق حياتنا المعاصرة وسياقه التاريخي، لغة موحية بعيداً عن كونها لغة نفعية خبرية مباشرةً ذات مدلول واحد للكاتبة غرام باللفظ ،لا يقل عن غرامها بالمعنى، لغة منفتحة على دلالات عدة، لغة تستعصي على التلخيص تقبل تأويلات متعددة ..
******

قراءة نقدية للمجموعة القصصية "هي والظل" للأديبة جيهان عوض البنا - جريدة المساء قراءة نقدية للمجموعة القصصية "هي والظل" للأديبة جيهان عوض البنا - جريدة المساء قراءة نقدية للمجموعة القصصية "هي والظل" للأديبة جيهان عوض البنا - جريدة المساء

ظهرت المقالة قراءة نقدية للمجموعة القصصية “هي والظل” للأديبة جيهان عوض البنا أولاً على جريدة المساء.

ما هو رد فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow