د.خالد محسن يكتب: المهمة قد تبدو “مستحيلة” !!
# من أول السطر »» “المؤثرون”.. من صُنّاع “الترند” إلى صناعة “القيمة”!! »» معالجة الظاهرة لا تتحقق بالاقصاء أو “الشيطنة”.. بل بالاستيعاب والتأهيل والمشاركة الفاعلة » بين عشية وضحاها قفزت إلي سطح النقاش المجتمعي ظاهرة “المؤثرين“، بعد لقائهم مع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان،في مناقشات حوراية بحثا عن استيعاب هؤلاء المدونين وصناع المحتوي لتعزيز القوي […] ظهرت المقالة د.خالد محسن يكتب: المهمة قد تبدو “مستحيلة” !! أولاً على جريدة المساء.
# من أول السطر
»» “المؤثرون”.. من صُنّاع “الترند” إلى صناعة “القيمة”!!
»» معالجة الظاهرة لا تتحقق بالاقصاء أو “الشيطنة”.. بل بالاستيعاب والتأهيل والمشاركة الفاعلة
»
بين عشية وضحاها قفزت إلي سطح النقاش المجتمعي ظاهرة “المؤثرين“، بعد لقائهم مع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان،في مناقشات حوراية بحثا عن استيعاب هؤلاء المدونين وصناع المحتوي لتعزيز القوي الناعمة الفاعلة في الدراما ونقل الأحداث بموضوعية وتصحيح مسار إعلام المواطن ،والإسهام في صناعة رأي عام راشد ومتزن حول مختلف قضايا وهموم الوطن،وربما مناقشة دمجهم في أطر نقابية ومهنية دعما لقنوات الإعلام الإيجابي،وإتقاء لشرور السير في طريق الأشواك المظلم في عالم غياهب العالم الرقمي الكبير.
نعم المهمة قد تبدو “صعبة”،ولكنها ليست “مستحيلة”.. وهناك تجارب دولية نجحت فى استيعاب وتوظيف ظاهرة “المؤثرين” ،بواقعية دون تهميش أو إقصاء.
وقد يري الاتجاه المعاكس أن فاقد الشئ لا يعطيه،وكيف لمن اعتاد تقديم مضامين تافهة وسالبة للعقول أن ينقلب فجأة إلي صانع لقيمة إيجابية ومساهم فاعل في قضية الوعي والأثر ..
والمفارقة الجوهرية في هذا السياق،والتي عبرت عنها دلالة “العنوان”.. كيف ننتظر من بعض صناع المحتوى أن يقدموا رسالة قيمية وأخلاقية، بينما لم يتسلحوا هم أنفسهم بأدوات المعرفة والوعي والمسؤولية؟ وكيف ننتقل بالمؤثرين من مطاردة الترند إلى صناعة الوعي وبناء الإنسان؟.
وبحثا عن ومضات في عالم مظلم أتصور أهمية معالجة هذه القضية وطرح كافة الرؤي النقدية والمقترحات باتجاه إصلاحي، لا يكتفي برصد أوجه القصور، بل بطرح مسارات عملية لإعادة تأهيل واستيعاب المؤثرين وبناء شراكة فاعلة،مع بعض المتميزين والفائقين ممن اعتادوا تقديم مضامين لها أبعاد قيمية وإنسانية.
والحق يقال إن معركة “التأثير” في عالمنا المعاصر لم تعد تدور حول من يمتلك المعلومة أو يستطيع الوصول إلى الجمهور فحسب، وإنما أصبحت معركة أكثر عمقًا تتعلق بمن يمتلك القدرة على تشكيل الوعي، وتوجيه السلوك، وصناعة المعنى والقيمة.
وفي زمن تتراجع فيه المسافات بين صانع المحتوى والمتلقي، وتتحول فيه الشاشات إلى منصات مفتوحة للتأثير العابر للحدود، بات بعض المؤثرين يمتلكون سلطة “معنوية” تفوق أحيانًا ،وللأسف سلطة المؤسسات التقليدية، دون أن يقابل ذلك بالضرورة امتلاك مماثل للمعرفة أو المسؤولية أو التأهيل المهني.
وهنا تتجلى طبيعة المفارقة الكبرى: كيف نطالب من لم يمتلك أدوات الوعي أن يصنع وعيًا؟ وكيف ننتظر ممن يطارد الترند أن يقود المجتمع نحو القيمة؟ إنها بالفعل مهمة تبدو مستحيلة، إذا ظللنا نتعامل مع التأثير باعتباره مجرد أرقام للمشاهدات، ومؤشرات للانتشار، وحسابات للأرباح، دون النظر إلى ما تتركه الرسائل من آثار في العقول والوجدان والسلوك.
ولا ريب أن “فاقد الشيء لا يعطيه”..ولكن يمكنه أن يتعلم كيف يصنعه؟.
والتمسك بهذه المقولة لا ينبغي أن تتحول إلى حكم مطلق على جيل المؤثرين، بقدر ما تمثل دعوة لمراجعة منظومة صناعة المحتوى ذاتها. فالمعرفة ليست امتيازًا فطريًا، والوعي ليس شهادة جامعية بالضرورة، وإنما هما نتاج التعلم والتدريب والتجربة والقدرة على مراجعة الذات.
ومن ثم فإن المشكلة ليست في أن يصبح الإنسان مؤثرًا، وإنما في أن يمتلك أدوات التأثير دون أن يدرك مسؤولية استخدامها.
وعبر عدد من المحاور تناقش سطور المقال أبعاد هذه المعادلة الشائكة علي النحو التالي:
• أولًا: من اقتصاد الانتباه إلى مسؤولية التأثير:
لقد أسهمت المنصات الرقمية في إعادة تشكيل قواعد صناعة الشهرة، فأصبح الانتشار السريع معيارًا للحضور، وصارت الإثارة والانفعال والمبالغة أدوات فعالة لجذب الانتباه، بينما تتراجع أحيانًا قيمة المحتوى الرصين أمام سطوة المشاهد القصيرة والرسائل السطحية.
وفي ظل اقتصاد الانتباه، لم يعد المهم دائمًا ماذا تقول، وإنما كم شخصًا استطعت أن تجعله يشاهدك؟.. وهنا تنشأ إشكالية خطيرة عندما تتحول الشهرة إلى غاية مستقلة عن القيمة، ويصبح “الترند” هدفًا حتى لو كان ثمنه “الابتذال” أو انتهاك الخصوصية أو ترويج السلوكيات السلبية.
ووفقا لرؤي الخبراء فإن صناعة التأثير الحقيقية لا تقاس بعدد المتابعين وحده، وإنما بقدرة الرسالة على إحداث تغيير إيجابي في التفكير والسلوك، وبما تضيفه إلى رصيد المجتمع من معرفة وثقة وانتماء.
» ثانيًا: أزمة التأهيل.. حين يسبق التأثير الوعي:
ليس كل مشهور مؤثرًا بالمعنى الإيجابي، وليس كل صاحب ملايين المتابعين مؤهلًا للحديث في كل القضايا، فهناك فارق جوهري بين امتلاك القدرة على جذب الجمهور وامتلاك القدرة على مخاطبة عقله.
وتتفاقم الأزمة عندما يتصدى بعض صناع المحتوى لقضايا الصحة والتعليم والاقتصاد والعلاقات الأسرية والشأن العام، دون امتلاك الحد الأدنى من المعرفة المتخصصة، أو التمييز بين الرأي والمعلومة، وبين التجربة الشخصية والحقيقة العلمية.
والأخطر أن الجمهور قد يتعامل مع الشهرة باعتبارها “شهادة موثوقية”، فيمنح صاحبه ثقة لا تستند بالضرورة إلى كفاءة أو خبرة.
ومن هنا تصبح التربية الإعلامية والرقمية ضرورة لا رفاهية، ليس للمؤثرين وحدهم، وإنما للجمهور أيضًا، حتى يمتلك الجميع أدوات التحقق والنقد والتمييز.
• ثالثًا: من صُنّاع الترند إلى صُنّاع القيمة:
إن التحول المنشود يتطلب إعادة تعريف مفهوم النجاح الرقمي، فليس النجاح أن تتصدر المشهد لساعات، وإنما أن تترك أثرًا يستمر بعد انتهاء المشاهدة.
والمجتمع الآن بحاجة إلى “مؤثر” يفتح نافذة للمعرفة، ويشجع على القراءة، ويدعم المبادرات المجتمعية، ويعزز ثقافة العمل والإنتاج، ويحترم الاختلاف، ويحمي الخصوصية، ويقدم نموذجًا إيجابيًا في التعامل مع الأزمات والتحديات.
ويتوق إلي “مؤثر” يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن الصورة رسالة، وأن الجمهور ليس سلعة إعلانية، وإنما عقول وقلوب تتأثر بما يقدم إليها.
وهنا يصبح الانتقال من صناعة “الترند” إلى صناعة “القيمة” انتقالًا من منطق الاستهلاك السريع إلى منطق الأثر المستدام.
• رابعًا: استيعاب المؤثرين أم إقصاؤهم؟
إن مواجهة الظاهرة لا تكون بإقصاء المؤثرين أو “شيطنة” كل ما يقدمونه، كما لا تكون بمنحهم حصانة مفتوحة بحجة حرية التعبير.
وإنما بالتعامل معهم باعتبارهم قوة اتصالية جديدة تحتاج إلى الاستيعاب والتأهيل والمشاركة الفاعلة.
فالمؤثرون يمتلكون أدوات وصول جماهيري واسعة، وقدرات على تبسيط الرسائل، والتفاعل مع الأجيال الجديدة، وهي إمكانات يمكن توظيفها في خدمة القضايا الوطنية والمجتمعية والثقافية.
ومن ثم فإن المؤسسات الإعلامية والتعليمية والثقافية مطالبة بفتح مسارات تعاون حقيقية معهم، تتجاوز الاستعانة الموسمية أو توظيف الشهرة لأغراض دعائية، إلى بناء شراكات مهنية مستدامة.
ـ خامسًا: محددات صناعة المؤثر الواعي:
يمكن الانطلاق من مجموعة من المحددات الأساسية:
1.التأهيل المعرفي: ويأتي عن طريق تنظيم برامج تدريبية في الثقافة العامة، والتخصص، ومهارات البحث والتحقق من المعلومات.
2.التربية الإعلامية: الاهتمام بفهم طبيعة المنصات والخوارزميات، وآليات توجيه الانتباه وصناعة الرأي العام.
3.المسؤولية الأخلاقية: تعزيز مهارات احترام الخصوصية، ورفض التنمر والتشهير، وعدم استغلال الأطفال أو الفئات الأكثر هشاشة.
4.المهنية والشفافية: ولن يتحقق هذا إلا بالإفصاح عن الإعلانات والمصالح التجارية، والتمييز بين المحتوى التحريري والمحتوى الترويجي.
5.الوعي الوطني والمجتمعي: ويتضمن هذا المحدد تعزيز الهوية والانتماء، ومناقشة التحديات بعقلانية، بعيدًا عن التهويل أو التضليل.
6.التقييم المستدام: وهذا عن طريق قياس جودة الأثر، وليس حجم الانتشار وحده، ومراجعة المحتوى بصورة دورية.
• سادسًا: نحو ميثاق شرف للتأثير الرقمي:
لم تعد المسؤولية الفردية كافية لمواجهة التحديات المتشابكة لصناعة المحتوى، وإنما نحن بحاجة إلى ميثاق شرف مهني وأخلاقي يحدد المبادئ العامة للممارسة المسؤولة، ويؤكد حرية التعبير مقرونة بحقوق الآخرين، ويحمي الجمهور من التضليل والاستغلال وانتهاك الخصوصية..
ميثاق يقوم على التوعية والتدريب والتنظيم المتوازن، ويشجع على التصحيح والاعتذار عند الخطأ، ويفتح المجال أمام نماذج جادة من المؤثرين للمشاركة في تطوير المشهد الإعلامي.
ولا يعني ذلك تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للوصاية أو تقييد الآراء، وإنما بناء بيئة أكثر انضباطًا وشفافية، توازن بين حرية الإبداع وحقوق المجتمع.
• سابعًا: دعوة عملية لصناعة المستقبل:
إن الرهان الحقيقي لا يتعلق بإيقاف “الترند”، وإنما بإعادة توجيه طاقته، ولا يتعلق بمصادرة شهرة المؤثرين، وإنما بتحويلها إلى رصيد من المعرفة والثقة والعمل الإيجابي.
نحتاج إلى مبادرات مشتركة بين المؤسسات الإعلامية والجامعات ونقابات المهن المعنية، لإعداد برامج تأهيلية للمؤثرين، وإطلاق جوائز للمحتوى الهادف، وتوفير فرص للتعاون بين المتخصصين وصناع المحتوى، حتى تصبح المعرفة شريكًا أصيلًا في صناعة الرسالة الرقمية.
كما ينبغي أن تتحمل الأسرة والمؤسسات التعليمية دورًا في بناء جمهور ناقد، لا ينساق خلف كل ما يلمع، ولا يمنح ثقته لمجرد أن صاحب الرسالة يمتلك ملايين المتابعين.
• ومضة أمل..
ربما تبدو المهمة مستحيلة عندما نطالب بتغيير النتائج دون مراجعة المقدمات، أو ننتظر صناعة القيمة ممن لم تتح له فرص اكتساب أدواتها،
لكنها تصبح ممكنة عندما نؤمن بأن التأهيل يصنع الفارق، وأن الوعي قابل للنمو، وأن الشهرة يمكن أن تتحول من عبء على المجتمع إلى طاقة إيجابية في بنائه.
إننا لا نريد مؤثرين يجيدون استهلاك انتباه الناس، وإنما نريد صناع محتوى يحترمون عقولهم، ويضيفون إلى حياتهم، ويستثمرون حضورهم في بناء الإنسان.
• الخلاصة: وختاما فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ولكن المجتمع الذي يمتلك رؤية للتربية والتأهيل والاستيعاب يستطيع أن يساعد أبناءه على اكتساب ما ينقصهم، وتحويل قدراتهم إلى قيمة مضافة.
فليست المشكلة أن نصنع نجمًا جديدًا على منصات التواصل، وإنما أن نعرف ماذا سيفعل هذا النجم بنوره؟.. هل سيضيء طريقًا للمعرفة، أم سيكتفي بإبهار العيون؟.
إن معركة المستقبل ليست بين الإعلام التقليدي والمؤثرين، ولا بين الشهرة والمهنية، وإنما بين تأثير عابر يستهلك العقول، وتأثير مسؤول يبني الإنسان.
من صُنّاع “الترند” إلى صُنّاع القيمة.. تلك هي المهمة التي تستحق أن نخوضها، مهما بدت مستحيلة!.
ظهرت المقالة د.خالد محسن يكتب: المهمة قد تبدو “مستحيلة” !! أولاً على جريدة المساء.
ما هو رد فعلك؟