“طيور متباعدة”.. إطلالة مبدعة لسليمان عباس
ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة، وضيفنا في هذه الحلقة الكاتب الأديب د.سليمان عباس البياضي ،والذي أهدي بوابة الجمهورية والمساء أون قصته “طيور متباعدة “،ننشرها عبر هذه السطور.. ???? طيور متباعدة..!! كانت عيادة الدكتورة مريم واحةً من السكون، لا يخدش هدوءها سوى وقع خطوات المرضى المترددة، أو دقات ساعة حائطية تعدّ الوقت […] ظهرت المقالة “طيور متباعدة”.. إطلالة مبدعة لسليمان عباس أولاً على جريدة المساء.
ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة، وضيفنا في هذه الحلقة الكاتب الأديب د.سليمان عباس البياضي ،والذي أهدي بوابة الجمهورية والمساء أون قصته “طيور متباعدة “،ننشرها عبر هذه السطور..

طيور متباعدة..!!
كانت عيادة الدكتورة مريم واحةً من السكون، لا يخدش هدوءها سوى وقع خطوات المرضى المترددة، أو دقات ساعة حائطية تعدّ الوقت بصرامة. أما عادل، فكان يوقن أن الصوت الأعلى في ذلك الممر لم يكن سوى نبض قلبه كلما اتخذ مقعده في قاعة الانتظار.
لم يكن عادل مريضاً يبحث عن شفاء، بل مهندساً معمارياً أُوكلت إليه مهمة الإشراف على ترميم المبنى العتيق للمستشفى. طبيعة المشروع فرضت عليه لقاءات متكررة مع مريم لتنسيق مسارات العمل. كانت طبيبة قلب تجمع بين حزم المهنة ورقة الطبع؛ في عينيها يشرق ذكاء هادئ، وفي كلماتها طمأنينة تداوي قبل الدواء. في المقابل، كان عادل يرى في كل جدارٍ حكاية، ويؤمن أن الأشياء المكسورة تستحق فرصة ثانية لتقف من جديد.
هو يرمم الجدران المتهالكة، وهي ترمم القلوب المتعبة. وبين الخرائط الهندسية والتقارير الطبية، تسربت أحاديثهما خارج حدود العمل، لتطوف حول الكتب، تفاصيل الفن، وأحلام المستقبل المؤجلة. كان كل لقاء يترك في روحيهما أثراً لا تخطئه العين، لكنه ظل حبيس صمتٍ وقور.
أيقن عادل أن قلبه قد شُيّد من جديد على يديها، وكانت مريم تواري مشاعرها خلف معطفها الأبيض وابتسامة خجولة تمنحها له كلما التقيا.
وفي الليلة التي حزم فيها أمره للتقدم لخطبتها، باغته القدر باتصالٍ قلب موازين حياته. أُصيب والده بجلطة دماغية في بلدٍ بعيد حيث يدير أعمال العائلة. صار السفر حتمياً، والرحيل ضرورة لا تقبل التأجيل.
وقف عادل في ممر المستشفى، ينظر إلى مريم بصمتٍ كان أبلغ من أي اعتراف، وقال بصوتٍ حاول تثبيته: ـ سأعود… ولن يطول الغياب. ابتسمت محاولةً إخفاء رجفة قلقها، لكن حدسها الأنثوي كان يهمس لها بأن القدر يكتب الآن سطراً لا تراه.
امتد الغياب. طالت الأسابيع لتصبح شهوراً، ثم التهمت السنوات بعضها البعض. تدهورت صحة والده، وتوالت الانهيارات على شركة العائلة، فوجد عادل نفسه يخوض حرباً طاحنة للحفاظ على إرثٍ يتداعى. وكان كل يوم يمضي يسلبه جزءًا من الرجل الذي وعدها بالعودة، انقطعت رسائله. لم يكن جفاءً، بل كان كبرياء رجلٍ رأى عالمه ينهار، فاستحيا أن يقدم لها وعوداً لا يملك الوفاء بها. وفي غمرة صمته، كانت مريم تقف في خطوط المواجهة الأولى خلال أزمة صحية أنهكت البلاد، تنتظر خبراً لم يأتِ، حتى جفّ نبع الأمل، وابتلعت مشاغل الحياة ما تبقى من وعود.
بعد سبع سنوات عجاف، عاد عادل إلى وطنه. لم يقصد بيته، بل ساقته قدماه رأساً إلى المستشفى الذي ترك فيه شطراً من روحه. مشى في الممرات التي حفظت صدى خطواته، متجاوزاً الجدران التي رممها يوماً، حتى وقف أمام باب العيادة.
رفع بصره نحو اللوحة النحاسية المعلقة، فتجمد الدم في عروقه. الاسم المحفور هناك لم يكن اسم مريم.
لمحته ممرضة قديمة غزا الشيب مفرقها، فاقتربت منه وقد عرفته على الفور. قبل أن ينطق بحرف، خفضت رأسها وقالت بنبرةٍ مثقلة بالأسف: ـ الدكتورة مريم تزوجت منذ عامين من زميلٍ لها في قسم الجراحة… سافرا معاً في بعثة طبية دائمة إلى إفريقيا، واستقرت حياتها هناك.
لم يسأل عن تفاصيل أخرى؛ فبعض الإجابات تقتل ما تبقى من السؤال. جلس على المقعد الخشبي ذاته الذي طالما انتظرها عليه. أخذ يتأمل الباب المغلق، كأنه ينتظر أن ينشق عن زمنٍ مضى ولن يعود.
بعد برهة، نهض بهدوء وغادر المستشفى. كان الشفق ينسكب على واجهة المبنى القديم، وفي الأعلى، كانت أسراب من الطيور تعبر كبد السماء، متباعدة، لكل منها مسار لا يتقاطع مع الآخر.
رفع عادل بصره إليها، وابتسم ابتسامةً امتزج فيها رضا التسليم بمرارة الفقد. أدرك حينها أن بعض الطيور خُلقت لتتجاور في سماءٍ واحدة للحظة عابرة، قبل أن يفرقها الأفق إلى الأبد. وأن بعض قصص الحب لا تنقصها صدق المشاعر… بل ينقصها الوقت، والقدرة على البقاء.
ظهرت المقالة “طيور متباعدة”.. إطلالة مبدعة لسليمان عباس أولاً على جريدة المساء.
ما هو رد فعلك؟