عامٌ على افتتاح المتحف الكبير.. مختبر المستقبل الذي يحرس الماضي
بقلم: أحمد رفعت ( كبير المعدين بالهيئة الوطنية للإعلام ) قبل عامٍ من الآن، حين افتتح “المتحف المصري الكبير” أبوابه للعالم، لم يكن، ولن يكون، مجرد جدران من الحجر ، أو قاعات عرض تكتسي بالهدوء وتتأبط حراسة الظل، ولم تكن القصّة هي انتقال قطع أثرية من صندوق خشبي إلى واجهة زجاجية مضاءة، بل كانت شيئاً […] ظهرت المقالة عامٌ على افتتاح المتحف الكبير.. مختبر المستقبل الذي يحرس الماضي أولاً على جريدة المساء.
بقلم: أحمد رفعت
( كبير المعدين بالهيئة الوطنية للإعلام )
قبل عامٍ من الآن، حين افتتح “المتحف المصري الكبير” أبوابه للعالم، لم يكن، ولن يكون، مجرد جدران من الحجر ، أو قاعات عرض تكتسي بالهدوء وتتأبط حراسة الظل، ولم تكن القصّة هي انتقال قطع أثرية من صندوق خشبي إلى واجهة زجاجية مضاءة، بل كانت شيئاً أشبه بعملية جراحية دقيقة أُعيدت من خلالها خياطة التاريخ الحاضر بماضي الأجداد، في مشهدٍ يعبر عن ذاكرة أمة تقف على حافة الألفية الثالثة.
وبعد مرور عامٍ كامل على الافتتاح المهيب للمتحف المصري الكبير، يبدو أن القيمة الحقيقية للمتحف تكمن فيما فعله في “المخيلة الجماعية” للمصريين والعالم.
أثناء زيارة المتحف الكبير ونقف أمام تمثال رمسيس الثاني أو مجموعة توت عنخ آمون الكاملة لأول مرة. لم نشاهد أثراً جامداً، بل نرى مرآة. نرى كيف أن أناساً عاشوا قبل آلاف السنين استطاعوا أن يهزموا الفناء بالجمال والفن والعمارة.
هذا الحوار الصامت الذي يدور كل يوم بين زائر يرتدي ملابس عصرية وملك فرعوني يقف في وقاره الأبدي، هو التجلّي الحقيقي لمعنى “أن نحيا مرة أخرى”.
أكثر ما يميز المتحف المعماري ليس فقط احتواؤه على الكنز الأكبر، بل تفصيله الأكثر عبقرية: الدرج العظيم (The Grand Staircase).
هذا الدرج لا يقودك فقط من طابق إلى آخر؛ إنه يصنع حالة نفسية فريدة. وأنت تصعد عليه، كأنك تخترق طبقات الزمن بالمقلوب؛ تترك ضوضاء القرن الحادي والعشرين خلفك، وتصعد تدريجياً لتلتقي بملوك وملكات صنعوا قواعد الحضارة البشرية. وفي رحلة الصعود هذه، يدرك المرء أن الزمن ليس خطاً مستقيماً، بل دائرة واسعة تلتف حولنا، لقد أصبح هذا الدرج في عامه الأول مسرحا مفتوحاً لتأملات البشر، مكاناً تتوقف فيه الأنفاس أمام هيبة المكان وإضاءته التي تلامس الآثار كأنها تحييها من سبات طويل.
كما أن التكنولوجيا المندمجة في العرض، وطريقة سرد القصص ليست مجرد عرض القطع. وحجم الفعاليات الثقافية والورش التي استضافها المتحف، جميعها تؤكد أن الآثار هناك تنبض بالحياة. الملك توت عنخ آمون، بكل كنوزه التي تُعرض كاملة لأول مرة، يخبرنا شيئاً عن شغف البشر بالخلود، وعن قدرة الإنسان المصري على تحويل الألم (كالموت والرحيل) إلى فن يخلد الأبدية. المتحف في سنته الأولى أثبت أنه “مختبر للمستقبل”.
ختاما عامٌ مضى، وما زال الصدى يتردد. المتحف المصري الكبير ليس مجرد مشروع قومي أُنجز، بل هو وعي جماعي جرى استرداده. هو تذكير هادئ لكل من يعبر أبوابه: أن من صنعت أيديهم المعجزات قبل آلاف السنين، قادرون على صناعة الحاضر والمستقبل بذات الشغف، وذات العبقرية، وذات القدرة على تحدي الزمن.
ظهرت المقالة عامٌ على افتتاح المتحف الكبير.. مختبر المستقبل الذي يحرس الماضي أولاً على جريدة المساء.
ما هو رد فعلك؟