مصر تتحدث عن نفسها
بقلم: د. سليمان عباس البياضي ( باحث تراثي،عضو اتحاد المؤرخين العرب والجمعية المصرية التاريخية) مصر ليست مجرد دولة تقع على خارطة العالم،ولكن هي فكرة وفلسفة وتاريخ متجسد على الأرض،وحين كتب الجغرافي الراحل الدكتور جمال حمدان موسوعته الشهيرة “شخصية مصر” لم يكن يصف تضاريس وجبالا وأنهارا،بل كان يفك شفرة صياغة إلهية فريدة،صاغت من الجغرافيا تاريخا،ومن التاريخ […] ظهرت المقالة مصر تتحدث عن نفسها أولاً على جريدة المساء.
بقلم: د. سليمان عباس البياضي
( باحث تراثي،عضو اتحاد المؤرخين العرب والجمعية المصرية التاريخية)
مصر ليست مجرد دولة تقع على خارطة العالم،ولكن هي فكرة وفلسفة وتاريخ متجسد على الأرض،وحين كتب الجغرافي الراحل الدكتور جمال حمدان موسوعته الشهيرة “شخصية مصر” لم يكن يصف تضاريس وجبالا وأنهارا،بل كان يفك شفرة صياغة إلهية فريدة،صاغت من الجغرافيا تاريخا،ومن التاريخ هوية عصية على الانكسار،إن عن مصر هو حديث عن عبقرية المكان،وأصالة الهوية،وخلود التاريخ؛ثلاثة أركان تشكل معا المثلث الحضاري الذي جعل من هذا الوطن حالة استثنائية في تاريخ البشرية .
إن الحديث عن مصر ليس حديثا عن رقعة جغرافية تحدها خطوط الطول والعرض،ولا هو سرد لحقبات زمنية ولدت ثم تلاشت في طيات النسيان،ولكن هو إبحار في كينونة استثنائية امتزج فيها التراب بالخلود،وتألقت فيها الجغرافيا لتصنع التاريخ . نقدم قراءة توثيقية في أعماق الجذور المصرية،ولكن نسعى إلى تفكيك الشفرة الحضارية لأمة لم تكتفِ بأن تشهد التاريخ.
في البدء كان المكان،ولم يكن المكان في حالة مصر مجرد مساحة طينية عابرة،ولكن كان تصميما إلهيا معجزا صاغته يد الطبيعة ليكون قلب العالم النابض،لقد تنبه المفكر الجغرافي الفذ الدكتور جمال حمدان إلى هذه الحقيقة وسماها عبقرية المكان،حيث تلتقي قارات العالم القديم،وتتعانق البحار،وتنساب السهول .
تقف مصر عند ملتقى آسيا وإفريقيا،وتطل بعين على البحر الأبيض المتوسط حوض الحضارات،وبالعين الأخرى على البحر الأحمر شريان التجارة العالمي .
الهوية المصرية هي أعجوبة أنثروبولوجية وتاريخية؛ فهي هوية ممتدة الجذور،شديدة الحساسية والعمق،قادرة على استيعاب الروافد المتعددة دون أن تفقد أصالتها أو تذوب في غيرها،على مر العصور،وعبرت أرض مصر جيوش وثقافات وحضارات لم تتشتت الشخصية المصرية،ولكن قامت بتمصير كل وافد إليها
قيل قديما ” تخشى البشرية الزمن،ولكن الزمن يخشى الأهرامات “،نحن لا نتحدث عن تاريخ ميت يُعرض في المتاحف،بل عن تاريخ حي يمشى في الطرقات،ويتنفس العصر.
أولا- عبقرية المكان :
ان مصر قلب العالم وملتقى القارات،وتتمثل عبقرية المكان في مصر في ذلك الموقع الجيوسياسي الفريد الذي لا تملكه أي دولة أخرى،مصر هي الوطن الذي يلتقي فيه البحران المتوسط والأحمر،وتتصل فيه قارتان آسيا وإفريقيا،وتطل برأسها وعمقها الثقافي على القارة الثالثة أوروبا،ومصر هي القفل والمفتاح في قلب العالم القديم والحديث،هذا الموقع جعلها جسراً طبيعياً لانتقال البشر،والأفكار،والتجارة،والحضارات بين الشرق والغرب،والشمال والجنوب.
لم يكن النيل مجرد نهر يمر بأرض قاحلة،بل كان المهندس الأول للحضارة المصرية،حوّل النيل الصحراء الممتدة إلى وادٍ خصيب،وفرض على المصريين القدماء الاستقرار،مما دفعهم لابتكار علوم الزراعة،والفلك،والهندسة،
والإدارة لتنظيم هذا النهر.
وهب الله مصر حدوداً طبيعية آمنة صحاري من الشرق والغرب،وبحار من الشمال والشرق حمتها من الفناء،لكنها لم تعزلها.
ظلت مصر منفتحة على العالم،تستقبل الثقافات وتمصرها،وتعيد تصديرها للعالم بثوب جديد .
ثانيا – أصالة الهوية :
الهوية المصرية ليست أحادية الجانب،بل هي هوية مركبة ومتعددة الأبعاد،تتسم بالأصالة والقدرة المذهلة على البقاء دون أن تفقد جوهرها،وعلى مر العصور،مرت بمصر شعوب وثقافات وغزاة،فما الذي حدث ؟
لم تتغير مصر لتصبح مثلهم،ولكن انصهر الجميع في بوتقتها وأصبحوا مصريين،تمتزج في الهوية المصرية أبعاد سبعة كما وصفها الدكتور ميلاد حنا في كتابه الأعمدة السبعة ” فرعونية،وعربية،وإسلامية،وقبطية،ومتوسطية،وإفريقية، وآسيوية”،وهذا المزيج لم يخلق صراعا،ولكن صنع نسيجا متناغما يظهر في العادات والتقاليد،والأمثال الشعبية،والعمارة،وحتى في اللهجة اليومية .
مصر أرض متدينة بفطرتها،احتضنت الأنبياء فمر بها إبراهيم،وعاش فيها يوسف،وولد وتربى فيها موسى، واحتمت بربوعها العائلة المقدسة عيسى وأمه مريم عليهما السلام،ودخلها الإسلام فغدت منارته بفضل الجامع الأزهر الشريف،وهذا البعد الروحي جعل التسامح والتعايش جزءا أصيلا من جينات المواطن المصري،ويحتفظ المصري بصفات ميزته عبر آلاف السنين الصبر المرتبط بالزراعة،خفة الظل والبهجة لمواجهة الصعاب،والارتباط الشديد بالأرض والوطن فكرة الانتماء للأرض والتراب .
ثالثا- خلود التاريخ من فجر الضمير إلى العصر الحديث :
إذا كان العالم يملك تاريخا،فإن مصر تملك التاريخ كله،في مصر بدأ فجر الضمير الإنساني،حيث وجدت أول دولة مركزية منظمة في التاريخ،وأول قانون أخلاقي عدالة ماعت،وأول محاولة للتوحيد .
الحضارة الفرعونية تركت هذه الحقبة آثاراً تتحدى الزمن؛ فالأهرامات، والمعابد في الأقصر وأسوان،والتحنيط،والعلوم الطبية والفلكية،وليست مجرد حجارة،ولكن شهادة حية على عقل بشرى تفوق على عصره،وما زال يدهش العالم حتى اليوم .
الحقبة القبطية والإسلامية امتداد العطاء،وواصلت مصر دورها الحضاري،فكانت المدرسة اللاهوتية في الإسكندرية مركزا فكريا للعالم المسيحي،ثم أصبحت القاهرة في العصر الإسلامي عاصمة العلوم،والفنون،والعمارة الإسلامية مدينة الألف مئذنة،وحمت العالم من التتار والصليبيين في لحظات تاريخية فارقة .
التاريخ الحديث والمعاصر لم يتوقف الخلود عند الماضي؛ولكن تجسد في بناء مصر الحديثة مع محمد علي،وحفر قناة السويس شريان التجارة العالمي،وثورات الشعب المصري المتتالية من أجل الحرية والكرامة 1919، 1952،وحتى العصر الحديث،مؤكدة أن هذا الشعب حي لا يموت .
رابعا – أقوال الصحابة الكرام و المؤرخين والرحالة :
تنوعت الروايات والأقوال التاريخية حول مصر وأهلها وطبيعتها بين المدح والوصف الجغرافي والاجتماعي والثقافي الدقيق
١- أقوال الصحابة الكرام :
• عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
اشتهرت وصيته لعمرو بن العاص عند فتح مصر حيث قال ” إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً، فذلك الجند خير أجناد الأرض”،وعندما سأله أبو بكر عن السبب أجاب ” لأنهم وأزواجهم وأبناءهم في رباط إلى يوم القيامة ” .
عندما طلب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عمرو بن العاص وصف مصر بعد فتحها،كتب إليه يصفها وصفا بليغا في رسالته التاريخية،ومما جاء فيها
” اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر قريةُ غبراء،وشجرة خضراء، طولها شهر،وعرضها عشر يخط وسطها نيل مبارك الغدوات،ميمون الروحات فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء، إذا هي عنبرة سوداء، فإذا هي زمردة خضراء، فإذا هي ديباجة رقشاء”.
وقال عمرو بن العاص ايضا ” أن ولاية مصر تعادل الخلافة كلها”.
• كما كتب لعمرو بن العاص مستحثاً إياه على إرسال الغوث لأهل المدينة في عام الرمادة قائلا ” يا غوثاه،أمت أمير المؤمنين ومن معه !”فبعث له عمرو بلقافلة أولها في المدينة وآخرها في مصر .
وفي قصة شهيرة رواها ابن عبد الحكم،أنصف عمر مصريا تسابق مع ابن عمرو بن العاص فغلبه،فضربه ابن عمرو قائلا ” أنا ابن الأكرمين “،فاستدعى عمر عمرو وابنه وقال للمصري ” اضرب ابن الأكرمين “،ثم وجه قولته الخالدة لعمرو “يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟”
• عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :
كان يرى بركة أرض مصر ونيلها وروي عنه قوله ” خلقت الدنيا على خمسة أجزاء؛فمثل مصر من الدنيا كمثل الرأس،وسائر الدنيا كالجناحين ” .
– عمرو بن العاص
٢- أقوال المؤرخين والرحالة :
– عبد الرحمن بن الحكم صاحب كتاب ” فتوح مصر والمغرب ”
يعد أقدم مؤرخ اعتنى بتوثيق فتح مصر،نقل ووصف بركة هذه الأرض مستشهدا بالآثار والوصايا النبوية بأهل مصر.وركز على مقولة عمرو بن العاص الشهيرة للخليفة عمر في وصف جغرافية مصر وطبيعتها ” نيلها عجب،وأرضها ذهب،وهي لمن غلب “.
– عبد الرحمن بن خلدون مؤسس علم العمران البشري اي علم الاجتماع
عاش ابن خلدون في مصر في أواخر حياته وانبهر بها،قال قولتيه الشهيرتين
” أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب” وقد نقلها عنه تلميذه المقريزي،ويقصد بها غلبة الفكاهة والبهجة والترفع عن حمل الهموم والمبالاة بالدنيا عند أهلها .
وقال أيضا عند دخوله القاهرة ” من لم يرَ القاهرة لم يعرف عز الإسلام،فهي حاضرة الدنيا،وبستان العالم، ومحشر الأمم،وإيوان البشر “.
– تقي الدين المقريزي شيخ مؤرخي الديار المصرية،وفي كتابه الأثرى ” المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار وصف مصر بأنها” أم البلاد وغوث العباد “.
أسهب في دراسة طبائع المصريين وذكر ارتباطهم الشديد بالنيل الذي جعل الأخلاق تميل إلى اللطف،وحب الفسحة،والإقبال على مباهج الحياة والراحة .
– شمس الدين بن جيان الذي أشرت إليه بـ والدي نسبةً للمخطوطات الإحصائية الشهيرة لروك مصر المعروفة بـالتحفة السنية بأسماء البلاد المصرية .
كان مهتما بالجانب الاقتصادي والجغرافي للدولة. وصف مصر بأنها ” خزانة الدنيا،وبلد البركة التي لا تنقطع خيراتها ” ،موثقا ثراء قراها ومدنها من حيث الخراج والزراعة.
– ابن بطوطة أمير الرحالة المسلمين :
زار مصر في عهد المماليك وكتب في رحلته مادحاً القاهرة ” هي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد،ذات الديار الفسيحة،والبلاد العريضة، المتناهية في كثرة العمارة، المتناهية بالحسن و النضارة”.
كما أثنى على مساجدها كجامع عمرو بن العاص، والمارستانات التي توفر العلاج مجاناً للجميع .
– ابن جبير الأندلسي :
زار مصر في عهد صلاح الدين الأيوبي وانبهر بالتكافل الاجتماعي والمؤسسات الخيرية .
وقال عن القاهرة
” شاهدنا من كفالة السلطان لطلبة العلم والغرباء ما لم نره في بلد آخر” .
ووصف مساجدها ومشاهد آل البيت كالمشهد الحسيني بأعلى درجات الانبهار والتعظيم المعماري .
– ابن تغري بردي صاحب كتاب ” النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ” :
ركز على إظهار ريادة مصر السياسية والعسكرية في العصر المملوكي. كان يرى أن مصر هي” قلب العالم الإسلامي وحصنه الحصين الذي كسر المغول والتتار وحمى مقدسات المسلمين” .
– ابن إياس صاحب كتاب “بدائع الزهور في وقائع الدهور”
هو الذي عاصر سقوط دولة المماليك ودخول العثمانيين مصر،تميز تميز برصد اليوميات الشعبية وكان يصف مصر ” بأنها جنة الأرض” وعندما ساءت الأحوال بعد الزوال المماليك نقل بحسرة شديده تأثير البلاد وصف ” بأنها درة التاج التي لا تعوض”.
إن مصر ليست مجرد جغرافيا،ولكن هي التاريخ وقد تحول إلى جغرافيا،والجغرافيا وقد تحولت إلى بشر،عبقرية مكانها جعلتها مطمعاً للجميع،لكن أصالة هويتها جعلتها مقبرة للغزاة وبوتقة للصهر،وخلود تاريخها يضمن لها دائماً المقدرة على النهوض من تحت الرماد كطائر الفينيق كلما ظن البعض أنها ضعفت .
ستبقى مصر دائماً،كما قال المؤرخ الإغريقي هيرودوت “مصر هبة النيل”،وكما أضاف عليها المصريون بحقهم في صياغة وجودهم: “مصر هبة المصريين” الذين صنعوا من عبقرية المكان وخلود التاريخ وطنا لا يشيخ .
ظهرت المقالة مصر تتحدث عن نفسها أولاً على جريدة المساء.
ما هو رد فعلك؟