من غرفة عمليات أكتوبر.. إلى غرفة عمليات التعليم

بقلم: د.محمد الجوهري (باحث في أصول التربية والتخطيط التربوي) نحتفل هذه الأيام بالذكرى ال(٥٣) لنصر أكتوبر المجيد، فكل عام ومصرنا الحبيبة وجيشنا وشعبنا بخير ، ومقالي يناقش الإجابة على سؤال : ماذا يمكن أن يتعلم صانع القرار التربوي اليوم من الطريقة التي أُديرت بها عملية استراتيجية ناجحة بحجم حرب أكتوبر 1973؟ فحين نعود إلى الوثائق […] ظهرت المقالة من غرفة عمليات أكتوبر.. إلى غرفة عمليات التعليم أولاً على جريدة المساء.

أكتوبر 20, 2026 - 12:00
 3

بقلم: د.محمد الجوهري

(باحث في أصول التربية والتخطيط التربوي)

نحتفل هذه الأيام بالذكرى ال(٥٣) لنصر أكتوبر المجيد، فكل عام ومصرنا الحبيبة وجيشنا وشعبنا بخير ، ومقالي يناقش الإجابة على سؤال : ماذا يمكن أن يتعلم صانع القرار التربوي اليوم من الطريقة التي أُديرت بها عملية استراتيجية ناجحة بحجم حرب أكتوبر 1973؟
فحين نعود إلى الوثائق الرسمية المنشورة الصادرة عن وزارة الدفاع المصرية حول حرب أكتوبر—لا سيما تلك التي وثقت وثائق التخطيط الاستراتيجي وإعداد خطط العمليات والخطط التكميلية وتنظيم التعاون والإشراف واختبار التخطيط قبل التنفيذ—نجد أنفسنا أمام نموذج متكامل لإدارة الأنظمة المعقدة والناجحة.
حيث لم تكن إدارة الحرب مجرد قرار شجاع أو رد فعل لحدث طارئ، بل كانت نتاج بناء معلوماتي دقيق، وتحليل صارم للواقع، وتقييم محدد للمخاطر، مع وضوح تام في الأدوار ومتابعة لحظية للتنفيذ.
بالطبع، تختلف المؤسسة التعليمية تمامًا عن المؤسسة العسكرية؛ فالأولى مجتمع مدني ناعم يتشكل من إنسان يبني معرفته وشخصيته، بينما تهدف الثانية إلى حماية الأمن القومي وتأمين حدود الدولة، وبالتالي لا تتشابه طبيعة المخاطر أو المخرجات بأي حال من الأحوال.
لكن نقطة الالتقاء الجوهرية تكمن في علم إدارة المواقف المعقدة وحوكمة صناعة القرار. فالقائد التربوي—سواء كان وزيرًا، أو مدير إدارة، أو مدير مدرسة—يواجه يوميًا بيئة مليئة بالتحديات والمستجدات المتلاحقة، ما يجعل الاستفادة من مبادئ التخطيط الاستراتيجي وآليات العبور بالمؤسسة من أزمتها ضرورة علمية لإعادة بناء غرفة عمليات التعليم.
ولعل أول درس مؤسسي في إدارة الأزمة الناجحة هو أن القرار الخالي من البيانات الدقيقة ليس سوى قرار عشوائى.
وفي واقعنا التربوي، قد نجد بعض القرارات التى تُؤخذ وفقا لانطباعات شخصية، أو انفعال طارئ مع شكوى فردية، أو انسياق خلف ما يُتداول عبر وسائط التواصل الاجتماعي دون تحقق.
فمثلا حين تتراجع نتائج الطلاب في مادة معينة، أو ترتفع معدلات التسرب، أو تتفاقم كثافات الفصول، أو تُقابل النظم التعليمية الجديدة بمقاومة من المعلمين، فإن السؤال الأول الذي ينبغي أن يُطرح داخل المؤسسة ليس: “ما رأينا في هذه المشكلة؟”، بل: ماذا تقول البيانات؟ ما حجم المشكلة بدقة؟ أين تتركز جغرافيًا ومؤسسيًا؟ ومن الفئات الأكثر تأثرًا بها؟ وما هي الأسباب الجذرية التي أدت إليها؟
وتؤكد منشورات المعهد الدولي للتخطيط التربوي التابع لليونسكو أن إتاحة البيانات الموثوقة وفي الوقت المناسب تشكل حجر الزاوية لأي تخطيط تعليمي كفء.
وبالمثل، تبيّن تقارير البنك الدولي حول أدوات تقييم الأنظمة التعليمية أن استخدام أنظمة معلومات إدارة التعليم المرتكزة على المؤشرات الميدانية الدقيقة تدعم صناع القرار في توجيه الموارد المحدودة نحو المناطق والمدارس ذات الاحتياج الأكبر، مما يحمي المؤسسة من هدر الوقت والمال في حلول وهمية.
وتتمثل إحدى أكبر المشاكل الإدارية في المؤسسات التعليمية في الانتقال المباشر من ظهور العَرَض إلى إصدار القرار النهائي، دون المرور بمرحلة التشخيص العلمي العميق، فعلى سبيل المثال إذا أظهرت تقييمات الفصل الدراسي الأول انخفاضًا حادًا في تحصيل الطلاب لمادة الرياضيات في إحدى الإدارات التعليمية.
فان التدخل السريع غير الممنهج قد يتلخص في إصدار قرار بمنح دروس إضافية أو زيادة عدد التكليفات المنزلية، او نقل مدير مدرسة وتحميله المسئولية.
لكن التشخيص القائم على الأدلة قد يكشف عن أسباب مختلفة تمامًا منها:
ـوجود فجوة في الأساسيات المكتسبة من السنوات السابقة.
-قصور في الأساليب التدريسية التي يعتمدها المعلمون لمواجهة الفروق الفردية.
-كثافة مرتفعة داخل القاعات الدراسية تحول دون التفاعل المباشر.
-ارتفاع نسب غياب الطلاب في أوقات معينة من العام.
-أخطاء في صياغة أدوات التقييم نفسها.
لذا فإن القرار الذي يعالج العَرَض (انخفاض الدرجات) دون تشخيص السبب الحقيقي (ضعف التأسيس أو طرق التدريس) يؤدي حتمًا إلى استنزاف طاقات الميدان التعليمي دون أحداث أي تغيير ملموس في مستوى التعلم الفعلي.
ولعلنا نلاحظ ان المشكلات التعليمية لا تأتي فرادى؛ بل تداهم المؤسسة في حزمة واحدة: كثافات مرتفعة، عجز في هيئات التدريس، ضعف في التحصيل، تهالك بعض البنى التحتية، وتحديات تتصل بالتكيف مع المناهج المحدثة.
وهنا تبرز المهارة القيادية في الإجابة عن السؤال الحرج: ما الذي يجب أن نعالجه أولًا؟.
و الحكمة الإدارية تقتضي التمييز بين المشكلة المهمة والمشكلة العاجلة، والمشكلة ذات الأثر المضاعف.
فربما قد تضغط وسيلة إعلامية أو منشور متداول على صفحات الفيس بوك للتركيز على مشكلة عاجلة لكنها محدودة الأثر، بينما توجد مشكلة أخرى صامتة—مثل ضعف مهارات القراءة والكتابة في الصفوف الأولى—تتسبب في الهدر التعليمي المستقبلي بكامله.
لذا فإن ترتيب الأولويات يقتضي الاستناد إلى معايير موضوعية تقيس حجم الضرر المترتب على التأخير، ومدى استجابة المشكلة للحلول المتاحة، ومدى ارتباطها المباشر بجودة التعلم، بعيدًا عن ارتفاع الصوت الإعلامي أو الضغوط المؤقتة لأصحاب المصلحة.
فاحيانا يحدث خلط خطر بين سرعة الاستجابة والتسرع في إصدار القرارات لدي صانع القرار التربوي.
فالمرونة الميدانية تتطلب الحسم، لكن التسرع يخلق قرارات مرتبكة تُعدل وتُلغى مرارًا، مما يفقد الميدان الثقة في قيادته.
فالقرار الجيد في أوقات الاضطراب يحتاج إلى قدر كافٍ من البيانات الموثوقة، ولكنه في الوقت ذاته لا يستطيع انتظار بيانات مثالية قد لا تتوفر أبدًا في حينها.
ولقد ناقشت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقاريرها حول الاستجابة للأزمات التعليمية مفهوم صنع القرار في ظل عدم اليقين، حيث يتعين على القيادة التعليمية إيجاد التوازن الدقيق بين أربعة عناصر:
١.سرعة الاستجابة الميدانية.
٢.جودة الأدلة المتاحة.
٣.حجم المخاطر المحتملة للقرار.
٤.مدى قابلية القرار للتعديل والضبط بناءً على التغذية الراجعة.
ونؤكد على ان الاستجابة العلمية للأزمات لا تعني الجمود حتى اكتمال الصورة بنسبة 100%، بل تتطلب وضع قرارات مرحلية قابلة للمراجعة والتقويم السريع وفقًا للمعطيات الميدانية الجديدة.
وهنا نؤكد ان المؤسسات التعليمية ذات الكفاءة العالية لا تنتظر وقوع الأزمة لتبدأ بالتفكير في حلها، بل تتضمن خططها الاستراتيجية سيناريوهات لاستشراف المخاطر وتقييم المرونة المؤسسية.
فتسأل الإدارة الواعية نفسها مبكرًا:
ماذا لو ارتفعت نسب الغياب في مواسم معينة؟
ماذا لو حدث عجز مفاجئ في تخصص تعليمي حيوي؟ وهكذا،،،
ووفقًا لدراسات اليونسكو حول بناء النظم التعليمية القادرة على الصمود فإن الجاهزية لا تتطلب توفير إمكانيات ضخمة بقدر ما تتطلب وجود بروتوكولات واضحة للتعامل مع السيناريوهات المختلفة قبل حدوثها.
وتؤكد أدبيات حوكمة التعليم الصادرة عن OECD أن حوكمة اتخاذ القرار تعتمد على مصفوفة صريحة لتوزيع الصلاحيات؛ فالقرارات الاستراتيجية تُصنع على المستوى المركزي، بينما تُترك للقيادات الميدانية حرية التصرف المباشر في الإجراءات التنفيذية والتكتيكية وفقًا لظروف كل مدرسة.
علاوة على ذلك، فإن الخطط التي لا تُقرن بآليات متابعة ميدانية تتحول سريعًا إلى وثائق إدارية مهجورة، فكل خطة عملية يجب أن تجيب بدقة عن الأسئلة التالية:
من المسئول عن التنفيذ؟
ماذا ينفذ بالتحديد؟
متى تبدأ وتكتمل المرحلة؟
ما هي الموارد المتاحة؟
ما هو المؤشر الكمي والنوعي الذي يثبت نجاح التدخل؟
ما هو الخط البديل إذا لم تحقق المبادرة أهدافها؟
وهذا ما يحقق دورة التحسين المستمر: (تخطيط ← تنفيذ ← متابعة ← قياس ← تقويم ← تغذية راجعة)
وختاما فإذا كانت غرفة العمليات العسكرية تحتاج إلى معلومات دقيقة، وقرار محسوب، وتنفيذ منضبط، ومراجعة مستمرة للنتائج، فإن غرفة العمليات التعليمية تحتاج إلى المفاهيم ذاتها، ولكن بأدوات التعليم، ولغته الإنسانية، وأهدافه التنموية.
إن ذكرى أكتوبر لا تمنحنا فقط فرصة لاستعادة حدث تاريخي عظيم، وإنما تمنحنا فرصة لاستلهام منهجية العبور التنظيمي: أن تمتلك مؤسساتنا التعليمية القدرة على قراءة واقعها بالأرقام والبيانات، واتخاذ القرار الشجاع في وقته، وإدارة المخاطر بكفاءة، وتصحيح المسار باستمرار، لتحويل التحديات التعليمية المعقدة إلى فرص حقيقية للبناء والتطوير.
ومرة أخرى كل عام ومصرنا بخير.

ظهرت المقالة من غرفة عمليات أكتوبر.. إلى غرفة عمليات التعليم أولاً على جريدة المساء.

ما هو رد فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow