وما الذي يبقى بعد الامتحان؟!
بقلم: د. نهال أحمد يوسف (أستاذ مساعد الإعلام والاتصال والدراسات الثقافية، رئيس وحدة الأعمال التنفيذية بالمنظمة العربية للحوار) «هو ده هييجي في الامتحان؟». سؤال مألوف، وقد نبتسم حين نسمعه، أو نضيق به قليلًا، ثم نحدد للطالب ما ينبغي أن يذاكره ونمضي. لكنني أجد فيه أحيانًا ما يستحق التوقف. فالطالب الذي يسأل قد يكون مهتمًا فعلًا […] ظهرت المقالة وما الذي يبقى بعد الامتحان؟! أولاً على جريدة المساء.
بقلم: د. نهال أحمد يوسف
(أستاذ مساعد الإعلام والاتصال والدراسات الثقافية، رئيس وحدة الأعمال التنفيذية بالمنظمة العربية للحوار)
«هو ده هييجي في الامتحان؟». سؤال مألوف، وقد نبتسم حين نسمعه، أو نضيق به قليلًا، ثم نحدد للطالب ما ينبغي أن يذاكره ونمضي. لكنني أجد فيه أحيانًا ما يستحق التوقف. فالطالب الذي يسأل قد يكون مهتمًا فعلًا بما يسمع، ومع ذلك يريد أن يعرف إن كان لهذا الاهتمام مكان في حساب الدرجات. ربما تعلّم، عبر سنوات طويلة، أن يوزع جهده بحسب ما سيُسأل عنه، وأن يؤجل فضوله إلى وقت آخر. وأتساءل: ماذا يحدث للأسئلة التي نؤجلها طويلًا؟ هل تبقى في انتظارنا، أم نفقد بالتدريج الرغبة في طرحها؟.
حين أفكر في مستقبل التعليم والبحث العلمي في مصر، يحضرني هذا السؤال الصغير قبل الصور الكبيرة. أتخيل طالبًا لديه ملاحظة لكنه يتردد في قولها، ومعلمًا يريد أن يتوقف عند فكرة لكن الحصة توشك أن تنتهي، وباحثًا يشعر بأن نتيجة لم يتوقعها قد تكون بداية مهمة، بينما يطالبه جدول العمل بأن ينتهي. في هذه اللحظات اليومية تتحدد علاقتنا بالمعرفة؛ مقدار الوقت الذي نمنحه للفهم، والمساحة التي نتركها لما لم نخطط له.
وراء الانشغال بالدرجات قلق يستحق أن نفهمه. فهناك أسر تحمل التعليم رجاءها في حياة أكثر استقرارًا لأبنائها، وتدفع من وقتها وراحتها ودخلها حتى تبقي هذا الرجاء ممكنًا. حين تسأل أم عن مجموع ابنها، قد تكون تسأل، بلغتها، عمّا إذا كان تعبه سيجد مكانًا في العالم. وحين ينشغل شاب بالشهادة والعمل، فهو يحاول أن يرى نهاية لطريق كلفه الكثير. لذلك لا أجد إنصافًا في لوم الطلاب على بحثهم عن العائد، دون أن نسأل عمّا جعل الخطأ يبدو باهظ الثمن إلى هذا الحد.
لكن القلق على المستقبل قد يضيّق أحيانًا الطريق إليه. نختار ما نتصور أنه مضمون، ونتجنب التجربة التي لا نعرف نتيجتها، ونطلب من الأبناء أن يحددوا مبكرًا ما سيصبحون عليه، قبل أن تتاح لهم فرصة كافية لاكتشاف ما يستطيعونه. كأننا نريد للتعليم أن يحمينا من المجهول، بينما جانب من قيمته أن يمنحنا قدرة على التعامل معه. فكيف نعد إنسانًا لحياة ستفاجئه، إذا كان كل ما تدرب عليه هو التعرف إلى السؤال الذي رآه من قبل؟.
أميل إلى الاعتقاد بأن ما يبقى من التعليم يظهر حين تغيب عنا الإجابة الجاهزة. حين نقرأ خبرًا فنبحث عن مصدره، أو نصادف رأيًا يخالفنا فنحاول فهم حجته، أو نكتشف خطأ في عملنا فنملك الشجاعة لتصحيحه. هذه أفعال صغيرة يصعب اختصارها في شهادة، لكنها تكشف شيئًا عميقًا عن الطريقة التي تعلمنا بها. هل اعتدنا أن يكون الفهم حوارًا، أم تعودنا أن ننتظر شخصًا يطمئننا إلى أن ما نقوله هو المطلوب؟.
ولهذا يبدو لي أن مستقبل التعليم يبدأ أيضًا من معنى الخطأ داخل الفصل. فالطالب الذي تُستقبل محاولته بالسخرية قد يتعلم كيف يتجنب الإحراج، ويصبح الصمت عنده أكثر أمانًا من المشاركة. ومع الوقت، قد نرى هدوءه انضباطًا، بينما يكون قد انسحب من الداخل. منح المحاولة احترامها يحتاج إلى معلم يستطيع أن ينصت، وإلى وقت يسمح بتتبع الفكرة، وإلى تقييم يكشف طريق التفكير، ويعطي الطالب فرصة أن يرى أين تعثر وكيف يتقدم.
ولا يمكن أن نحمل المعلم وحده مسؤولية توفير كل ذلك. من السهل أن نطالبه بالإبداع والصبر ومراعاة الفروق الفردية، ثم نتركه أمام أعباء لا تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه. المعلم نفسه يحتاج إلى من يصغي إلى خبرته، وإلى تدريب يتصل بما يواجهه فعلًا، وإلى ثقة تسمح له باتخاذ قرار داخل فصله. وكل حديث عن تطوير التعليم يظل ناقصًا إذا لم يسأل عن اليوم العادي لمن يقومون به: كيف يمر؟ وما الذي يستنزفهم فيه؟ وما الذي يساعدهم على أن يعودوا في صباح اليوم التالي ولديهم ما يمنحونه؟.
ويمتد هذا الخيط إلى الجامعة، حيث يفترض أن تصبح الأسئلة أكثر اتساعًا، وأن يكتسب الشك أدواته. هناك يتعلم الباحث أن إحساسه بأهمية فكرة لا يكفي لإثباتها، وأن عليه أن يقرأ ويقارن ويختبر، وأن يسمح لما يجده بأن يغير ما كان يعتقده. أجد في هذه القدرة على المراجعة واحدًا من أجمل معاني البحث العلمي؛ أن تبذل جهدًا كبيرًا، ثم تقبل أن يقودك هذا الجهد إلى نتيجة لم تكن تتمناها.
غير أن هذه العلاقة تحتاج إلى بيئة تحتملها. إذا أصبح إنهاء البحث أهم من السؤال الذي يحمله، فقد نكافئ القدرة على إتمام الإجراءات أكثر مما نكافئ الإضافة إلى المعرفة. وإذا غدا النشر سباقًا متصلًا، فمن الضروري أن نسأل عمّا تتركه سرعته للقراءة المتأنية، وللتجربة التي تحتاج إلى إعادة، وللفكرة التي لم تنضج بعد. للأعداد دلالتها، لكن فهم ما أضافه بحث إلى مجاله يحتاج إلى قراءة وحكم علمي ووقت، وهي أمور لا تختصرها خانة في تقرير.
وأفكر هنا في المسافة بين أن نطلب من الباحث إنتاج معرفة، وأن نهيئ له شروط إنتاجها. هناك وقت يحتاج إلى حماية، ومراجع وأدوات ينبغي أن تكون متاحة، وتمويل يمكن التخطيط على أساسه، وإجراءات واضحة لا تستهلك الطاقة التي يفترض أن تذهب إلى البحث. الباحث الذي يقضي أيامه في محاولة الوصول إلى أبسط متطلبات عمله يدفع من قدرته على التركيز قبل أن يبدأ. وقد نحتفي بمن استطاع الإنجاز رغم ذلك، لكن بناء المستقبل يحتاج إلى أن تصبح فرص الإنجاز متاحة لمن لا يملكون قدرة استثنائية على احتمال العوائق.
وفي مصر، أتمنى أن تتسع هذه الفرص بحيث يستطيع سؤال مهم أن يجد طريقه، أيًّا كان المكان الذي خرج منه. فقد يلاحظ باحث قريب من مجتمع زراعي تفصيلًا يستحق الدراسة، وقد ترى معلمة في مدرسة بعيدة ما لا يظهر بوضوح في التقارير العامة. القرب من الحياة يمنح صاحبه معرفة، لكنها تحتاج إلى أدوات وشراكات كي تصبح بحثًا يمكن اختباره والبناء عليه. ومن واجب الجامعة أن تفتح قنوات لهذا اللقاء، وأن تتعامل مع الناس بوصفهم أصحاب خبرة في حياتهم، لهم حق فهم ما ندرسه والمشاركة في الحوار حوله.
وحين نتحدث عن فائدة البحث، أحب أن نتأنى قليلًا قبل تحديد شكل هذه الفائدة. هناك معرفة تساعدنا على تحسين علاج أو تقليل فاقد أو تطوير إنتاج، وهناك معرفة تكشف كيف تتكون الصور النمطية، ولماذا يصدق الناس خطابًا بعينه، وكيف تتغير علاقتهم باللغة والمكان وبعضهم ببعض. وتوجد أسئلة أساسية لا نعرف بعد أين ستقودنا. المجتمع يحتاج إلى هذا الاتساع؛ فحياته تجمع المادة والمعنى، وما يحسن شروط العيش يتصل أيضًا بما يساعد الإنسان على فهم التجربة التي يعيشها.
ويمنحنا حضور الذكاء الاصطناعي في التعليم مناسبة لإعادة النظر في أمور اعتدناها. عندما يستطيع الطالب الحصول على نص متماسك بسرعة، يصبح من الضروري أن نفهم ما الذي نريد أن نعرفه عن تعلمه حين نطلب منه الكتابة. هل يستطيع تفسير اختياره؟ هل تحقق من المصدر؟ هل ينتبه إلى ما أغفله النص؟ وكيف يدافع عن حجته عندما يناقشه أحد؟ يمكن أن يصبح التقييم فرصة لرؤية التفكير أثناء حدوثه، من خلال مسودة تُراجع، ومناقشة تكشف الفهم، وعمل يتصل بسياق يعرفه الطالب ويستطيع مساءلته.
ومع ذلك، فإن إتاحة أداة جديدة لا تعني أن الجميع يملكون الفرصة نفسها للاستفادة منها. ثمة فرق تصنعه جودة الاتصال، واللغة، والوقت المتاح، ووجود من يوجه الطالب حين يلتبس عليه الأمر. لهذا ينبغي أن نصحب الحماس للتكنولوجيا بانتباه إلى حياة من نطلب منهم استخدامها. كل تطوير يحمل سؤالًا عن الذين يستطيعون اللحاق به، وعن الذين يحتاجون إلى دعم حتى لا تصبح المسافة بينهم وبين الآخرين أكبر.
وربما يكون أكثر ما أتمناه لمستقبل التعليم والبحث العلمي في مصر أن تتصل مراحله بعضها ببعض في احترام عقل الإنسان. أن يجد فضول الطفل من يرعاه، ومحاولة الطالب من يأخذها بجدية، وسؤال الباحث من يمنحه فرصة عادلة للاختبار. وأن يشعر من يتعلم بأن له نصيبًا في إنتاج المعرفة، وأن ما يلاحظه ويفكر فيه يمكن أن يدخل حوارًا أوسع، ويصبح ذا قيمة للآخرين.
وحين أعود إلى سؤال «هو ده هييجي في الامتحان؟»، أفكر في الإجابة التي نمنحها له بما نفعله طوال العام. فالطالب يقرأ أولوياتنا في طريقة الشرح، وفي توزيع الدرجات، وفي استقبال اعتراضه، وفي الوقت الذي نخصصه لسؤاله. هناك يتعلم ما يستحق جهده فعلًا.
أتمنى أن يغادر طالب قاعة الامتحان وهو يحمل، إلى جانب ارتياحه لانتهائه، فكرة لم ينته منها بعد. أن يعود إلى كتاب لأنه يريد أن يفهم، أو يراجع إجابة اطمأن إليها لأنه رأى ما يدعوه إلى الشك. في هذه الرغبة التي تستمر بعد أن ينتهي التكليف، أرى شيئًا من المستقبل الذي نرجوه؛ عقلًا وجد في التعلم ما يخصه، وما زال لديه سؤال.
ظهرت المقالة وما الذي يبقى بعد الامتحان؟! أولاً على جريدة المساء.
ما هو رد فعلك؟