(يكفي أننا معا).. عندما يسقط الحب في مستنقع الزمن
بقلم : أ.د. جمال زاهر (أستاذ الأدب والنقد – جامعة قناة السويس) »» ( يكفي أننا معا).. واحدة من روايات الأديب الكبير عزت القمحاوي, خرجت إلى النور2017م عن الدار المصرية اللبنانية- القاهرة, ورُشحت لجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الثانية عشرة عام 2018م, ووصلت إلى القائمة القصيرة النهائية. كتب عزت القمحاوي نصفها في عشرة أيام […] ظهرت المقالة (يكفي أننا معا).. عندما يسقط الحب في مستنقع الزمن أولاً على جريدة المساء.
بقلم : أ.د. جمال زاهر
(أستاذ الأدب والنقد – جامعة قناة السويس)
»»
( يكفي أننا معا).. واحدة من روايات الأديب الكبير عزت القمحاوي, خرجت إلى النور2017م عن الدار المصرية اللبنانية- القاهرة, ورُشحت لجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الثانية عشرة عام 2018م, ووصلت إلى القائمة القصيرة النهائية.
كتب عزت القمحاوي نصفها في عشرة أيام قضاها في إيطاليا, ونصفها الآخر استغرق عاما ونصف في مصر.
تحكي الرواية قصة حب تجمع بين كهل في الستين ( جمال منصور ) وشابة في السابعة والعشرين ( خديجة البابي ) , الحبيبان متكافآن من الناحية المعرفية, مختلفان في السن والطبقة الاجتماعية, وتدور أحداثها بين مصر وإيطاليا ,
في الرواية يبحث ( جمال ) المحامي الستيني عن الحب قبل فوات الأوان, ويجد ضالته في المعمارية الشابة ( خديجة البابي ) , هذه الرواية تحكي تجربة فريدة في الحب والجمال في مجتمع جديد خارج نطاق الهموم والشواغل لم يصل إلى مستواها أي رواية أخرى من روايات القمحاوي.
وتمتلك هذه الرواية ميزة أن الحب بدا فيها بشكل كثيف بحيث طغى على بقية الانشغالات الأخرى التي تتردد في أعمال الكاتب, الرواية فيها عاشقة شابة مندفعة, وعاشق كهل حذر, ورحلة حب خفيفة.
ظهر أثر الزمن والرعب منه جليا في هذه الرواية , فهي تدور حول علاقة حب تنشأ بين ( جمال منصور ) الكهل الذي يطرق باب الستين, و( خديجة البابي ) الشابة التي تصغره بنحو ثلاثين عامًا، هذه العلاقة يهدد استمرارها ويعكر صفوها إحساس البطل المتنامي بفارق السن بينهما.
بدا ( جمال) – الذي سرقته دوامات الحياة- مرعوبا من الشيخوخة لا سيما بعد أن أتم رسالته تجاه إخوته, بدأ ينفرد بنفسه, يستعرض مشاهد حياته السابقة, ويفكر في أيامه القادمة, يراقب الزحف الوئيد لشيخوخته, يتساءل عن جدوى التقويم وهل كان الناس سعداء قبل اختراعه؟
( هم بالتسلل من السرير لكنه تراجع وظل ساكنا محافظا على وضعية استلقائه حتى لا يقلقها, انهمك في آلية العد كي يستدرج النوم مسلطا نظره على نقطة ثابتة بالسقف حتى أحس بالإنهاك فغفا, وسرعان ما أيقظه شخيره, لا يعرف متى بدأت مشكلة الشخير لديه لكنه يتذكر أنه لم يكن يشخر عندما كان شابا وصار متيقنا أن الشخير وتكرار دخول الحمام في الليل من علامات الشيخوخة) .
في طريق عودته من المحكمة تصاعدت هواجسه حتى صارت رعبا من الشيخوخة, أخذ يتذكر أصعب قضايا الطلاق التي ترافع فيها واعتبر أنه أتعس من صاحباتها وأصحابها, على الأقل هم دخلوا تجربة .
ويسأل ( جمال ) نفسه: هل ستقوى على الظهور معها في أي مكان آخر؟ وكيف سينظر إليكما الآخرون؟ لم يجد جوابا, وأحس بأطرافه باردة, أخذ يستجوب نفسه عن حقيقة ما يحسه تجاهها, هل هو الحب, أم الإثارة التي يندفع إليها المقامر وقاضم الفلفل الحار ؟
وعلى الرغم من أن هذه الرواية تصور في الأساس قصة حب, فإنها مشغولة بمعاني الفزع من الزمن, وانعكاساته التي تخلق القلق على ما فات، والرغبة في المزيد من الحياة, وسنجد الرعب من الشيخوخة كهاجس أساسي ومحرك كبير لبطل الرواية المشرف على الستين:
( أغلق جمال الباب ووقف يتأمل نفسه في المرآة, يقترب مدققا ملامح الوجه الذي لم يعد يعرفه منذ أن عرف خديجة, صار يقابلها كل مرة وكأنها المرة الأولى:” أنت هرم يا رجل .. هرم!” أخذ يبتعد عن المرآة خطوة بعد خطوة ويراقب قسوة خطوط الزمن إذ تخف خطوة بعد أخرى, توقف ودار نصف دورة ليرى اللقطة الجانبية لوجهه التي يبدو فيها أقل سنا).
الطرف الآخر في العلاقة ( خديجة البابي ) هي الأصغر سنا لكنها تعرف ما تريد, وهي الطرف الأقوى في العلاقة, هي التي تقع أولا في حب ( جمال ) , وهي التي تتبع أثره وتطارده في أروقة المحاكم, أولى الخطوات الإيجابية في علاقتهما هي التي خطتها حين زارته في مكتبه من أجل خطف النظر وخطب الود, أول مرة يغادر(جمال) مصر كان بدعوة منها, عندما سافرت إلى أوروبا هي التي بدأت سلسلة الرسائل الإلكترونية الملتهبة معه, ( خديجة ) تبدو- على الدوام- فاعلا.
بينما المحامي الكهل ( جمال منصور ) يبدو رد فعل مترددا خائفا من فارق السن بينهما, يتردد في الظهور معها في الأماكن العامة, يتلفت يمينا ويسارا خشية أن يراهما الناس معا:
أحيانا ينسى كل شئ ويصبح لها وحدها منسجما ومتدفقا يهتم بها, وفجأة ينكمش على نفسه تحت نظرة مستطلعة فيصيبها بالإحباط, تعرف أنه يحاول تجاوز ذلك ولكنه لا شعوريا يتلفت حوله عند دخولهما إلى أي مكان, وعندما يتحدث مع أحد في حضورها يبدو وكأنه يستجديه كي يقبل بوجودهما معا, لم تعد تعنيها الكلمات بل النبر, كلمة ” حبيبتي” عندما يهمس بها في التليفون أو يكونان وحدهما لها معنى مختلف عن ذلك المعنى الذي تتلقاه في حضور الآخرين, يقولها مصمتة بطبقة باهتة فتبدو موجهة إليهم وكأنه يريد أن يقول لهم: “هذه ابنتي”, أحيانا تحتد عليه “لست صغيرة, المشكلة في داخلك”, لكنها تعتذر فورا فهي تعرف أنه يبذل مجهودا ليستوعب.
وبدا سلوك ( جمال ) مع (خديجة) سلوك المحب والمتملص في الوقت ذاته, فهو الذي يطفئ- بمخاوفه- لهب العلاقة ويئدها في مهدها, انعكس تذبذب مشاعره في سلوكه غير المتوازن وردود فعله اللا متوقعة, لهفة شديدة وإلحاح من أجل اللقاء حتى إذا تركت ما بين يديها وجاءته يستقبلها بفتور, أحيانا يفعل العكس يظل يتعلل بالأعذار للهروب من موعد, وعندما يجد نفسه بعيدا عنها تبتهل عيناه إلى جمالها ويغمره السرور, ثم لا يلبث أن يتسرب إليه التوتر ويبدأ في التلفت حوله ليعرف إن كان هناك من يعرفه كيف سينظر إليه؟ رجل نذل أغوى قاصرا؟.
ولا تكتمل قصة الحب الملتهبة بين ( جمال) و( خديجة ) بسبب فارق السن, يستبد به القلق, يحاول أن يضع تصورات لحياة ممكنة معها, وفي اللحظة التي يكتمل فيها البناء ينهار ويتحول إلى ركام من الإحساس بالهاوية، يفكر كيف سيبدو لإخوته وكيف سيواجه أسرتها, وينتهي أمر العاشقين بالفراق:
( اعتصر ذهنه بحثا عن شواهد أخرى من التاريخ لعلاقات بين كهول وشابات” فرق السن بيننا ليس مأساويا إلى الحد الذي أظنه” قال ،ولم يسترح إلى هذه القناعة حتى عاد إلى إحباطه، إذ لاحظ أن الشيوخ الذين ارتبطوا بطفلات ومراهقات كانت لديهم إما هالة قداسة أو قبضة سلطان,” لست كأحد منهم” فكر محبطا, وهتف لنفسه بصوت مسموع: “مستحيل)
بدأت هي الأخرى تراجع نفسها, وتفكر في نصائح صديقتها التي سبقتها إلى الزواج من رجل مسن:
( ستكبرين سنة كل يوم حتى تصبحي في عمر من ترتبطين به, ستقاومين كسله وفتوره في البداية وسرعان ما تجدين نفسك مثله بعد أن تتسرب إليك شيخوخته) .
وقد منح القمحاوي هواجسه ومخاوفه من التقدم في السن وتوابعه من وحدة ومرض لبطله ( جمال منصور ) المحامي الستيني, يقول القمحاوي عن هذه التجربة:( الرواية قد تبدو مختلفة ظاهريًّا بمقدار خفة رحلة حب، لكن فيها الخوف من الزمن الذي يتملكني في كل ما أكتب) .
ظهرت المقالة (يكفي أننا معا).. عندما يسقط الحب في مستنقع الزمن أولاً على جريدة المساء.
ما هو رد فعلك؟