“أوان الشد” لمحمد فايز حجازي.. حين يتحول الحب إلى امتحان للتاريخ والذاكرة

بقلم : صبري ممدوح (كاتب وناقد أدبي) ويتجدد اللقاء مع إبداعات ومواهب أبناء أرض الكنانة وضيفنا في هذه الحلقة الناقد الأديب صبري ممدوح، والذي يعرض قراءة ورؤية نقدية لرواية “أوان الشد” للأديب الروائي محمد فايز حجازي.. ???? (أوان الشد) ليست رواية حب بالمعنى المألوف، وإن كان الحب هو بابها الأوسع إلى العالم. وليست رواية فانتازيا […] ظهرت المقالة “أوان الشد” لمحمد فايز حجازي.. حين يتحول الحب إلى امتحان للتاريخ والذاكرة أولاً على جريدة المساء.

أكتوبر 20, 2026 - 02:00
 9

بقلم : صبري ممدوح (كاتب وناقد أدبي)

ويتجدد اللقاء مع إبداعات ومواهب أبناء أرض الكنانة وضيفنا في هذه الحلقة الناقد الأديب

صبري ممدوح، والذي يعرض قراءة ورؤية نقدية لرواية “أوان الشد” للأديب الروائي محمد فايز حجازي..

"أوان الشد" لمحمد فايز حجازي.. حين يتحول الحب إلى امتحان للتاريخ والذاكرة 3 - جريدة المساء

????

(أوان الشد) ليست رواية حب بالمعنى المألوف، وإن كان الحب هو بابها الأوسع إلى العالم. وليست رواية فانتازيا خالصة، رغم أنها تفتح أبوابا على أزمنة غابرة ومستقبل مهدد بكارثة كونية.

إنها في جوهرها، رواية عن الإنسان حين يجد نفسه مطالبا بأن يختار بين التراخي والمواجهة، بين النسيان والتذكر، وبين حياة آمنة في ظاهرها وموقف أخلاقي لا يسمح بالحياد.

يستمد العمل عنوانه من البيت الشعري المعروف: «هذا أوان الشد فاشتدي ريم» ومنذ الصفحات الأولى لا يبدو بالنسبة لي البيت الشعري مجرد عتبة زخرفية، بل يتحول إلى مفتاح تأويلي يرافق الرواية كلها.

فالشدة هنا ليست شدة الحرب وحدها، ولا شدة المرض والفقد، وإنما هي لحظة تاريخية وأخلاقية يصبح فيها التراجع نوعا من الخيانة. وعلى امتداد الحكاية، يدعى مصطفى وماريا إلى أن يشدا عزيمتهما في مواجهة الموت، والرقابة، والتعصب، وتهديدات جماعة غامضة تريد امتلاك المعرفة وتوجيه التاريخ.

تنجح الرواية منذ بدايتها في جعل المكان أكثر من خلفية للأحداث. فحي قلعة الكبش، ومنطقة السيدة زينب، وبيت الجد، ومسجد أحمد بن طولون، وسور الكتب، ليست أماكن محايدة، بل كائنات سردية تحمل تاريخا خاصا وتؤثر في سلوك الشخصيات.

يولي الكاتب وصف القاهرة القديمة عناية واضحة؛ فيرسم بكلماته المرتفعات، والأحجار، والبيوت العتيقة، والمشربيات، والرحبة. ومن خلال هذا الوصف تتشكل القاهرة باعتبارها مدينة تختزن طبقات متراكمة من الحضارة والسر والخرافة والبركة.

أجمل ما في هذه المعالجة أن المكان لا يبقى حبيس الماضي. فالبيت القديم يصبح مستودعا للكتب واللوحات والذكريات، والرحبة تتحول إلى فضاء اجتماعي يجتمع فيه الناس، والمخطوط يخرج من مكتبة قديمة ليقود الشخصيات إلى أزمنة أخرى. هكذا ترتبط الجغرافيا بالزمن، ويصبح عبور الشوارع القديمة تمهيدا لعبور التاريخ نفسه.

ومع ذلك، فإن هذا الشغف الوصفي يطيل في قليل من الأحيان من زمن التمهيد للحدث على حساب الحركة السردية.

فبعض الصفحات تتوقف طويلا عند تفاصيل معمارية أو تاريخية كان يمكن تكثيفها من دون أن تخسر الرواية روحها.

الوصف قوي في بناء الجو، لكنه لا يكون دائما بالقوة نفسها في دفع الحدث إلى الأمام.

تقوم الرواية على مستوى الشخصيات على علاقة مصطفى وماريا، وهما شابان ينتميان إلى بيئتين دينيتين مختلفتين، لكنهما ينشآن في الحي نفسه ويكبران في فضاء واحد من الجيرة والبراءة. لا يقدم محمد فايز حجازي هذا الاختلاف بوصفه مادة للصدام منذ اللحظة الأولى، بل بوصفه جزءًا من حياة يومية تتجاور فيها العائلات، وتتبادل الطعام والزيارات، ويصير الآخر قريبا إلى حد أنه لا يعود (آخر) بالمعنى الحقيقي.

تنبع قوة العلاقة بينهما من أنها لا تبدأ باعترافات كبيرة، بل تنمو من الألفة من المدرسة، الرسائل السرية، النظرات المختلسة، الحلوى، والانتظار. لذلك يبدو الحب في بدايته طبيعيا وعفويا، كما لو أن الشخصيتين لم تختارا الوقوع فيه بقدر ما اكتشفتا أنه كان موجودا في حياتهما منذ الطفولة.

وتمنح الرواية ماريا حضورا مهما ومختلف وغير نمطي؛ فهي ليست حبيبة تنتظر الإنقاذ، بل شخصية تملك حدسا وذكاء وقدرة على تفسير العلامات.

في لحظات كثيرة تكون هي التي تفتح الطريق أمام مصطفى، وتربط بين المخطوط والرؤيا، وتدفعه إلى خوض التجربة.

لكن العلاقة لا تخلو من مثالية.

فالحوار العاطفي بين الشخصيتين يتكرر أحيانًا باللغة نفسها، ويغلب عليه الإطراء والتأكيد المستمر على وحدة الروح وتوأم القلب. هذا يمنح الحب نبرة وجدانية واضحة، لكنه يقلل من التوتر الداخلي الذي كان يمكن أن يجعل العلاقة أكثر تعقيدا.

كان يمكن للرواية أن تمنح مصطفى وماريا مساحات أوسع من الشك، أو الغضب، أو سوء الفهم، بدل أن يظلا في معظم الوقت متوافقين توافقًا شبه كامل.

من أنجح خطوط الرواية ذلك الخط المتعلق بآباء الشخصيات وأجدادها. فالأب سالم رضوان، والجد الخطاط، لا يظهران بوصفهما شخصيتين عائليتين فحسب، بل بوصفهما حاملين للمعرفة والذاكرة. يربي الجد مصطفى على قراءة اللوحات والكتب، ويشرح له بيت (أوان الشد)، ويزرع فيه فكرة أن الحياة لا تنحني إلا لمن امتلك العزم. أما الأب، فيحمل أثر المرض والفقد، ويواجه موته بقدر من الإيمان والصبر يجعل موته نقطة تحول في وعي مصطفى.

مشاهد المرض والموت من أكثر مقاطع الرواية تأثيرًا؛ لأنها تضع البطل أمام تجربة لا يمكن حلها بالمعرفة أو الشجاعة وحدهما.

فهناك يتعلم مصطفى أن الشدة ليست شعارا، بل قدرة على احتمال العجز والفقد والاستمرار رغم انكسار الداخل.

كما أن رسالة ماريا بعد وفاة الأب تؤدي وظيفة مهمة؛ فهي لا تكتفي بالمواساة، بل تعيد وصل مصطفى بإرث أبيه وتمنحه سندًا معنويًا في لحظة يوشك فيها على السقوط.

ومن هذه المأساة العائلية تنتقل الرواية إلى سؤال أوسع؛ ماذا يحدث حين تسرق ذاكرة الأمم أو تُزور؟

يظهر «الكتاب الكاشف» بوصفه مخطوطًا غامضًا يضم معرفة استثنائية، وتبحث عنه منظمة دولية ذات نزعة تآمرية تريد استخدامه في السيطرة على الشعوب وتوجيه الأحداث.

هنا تتسع الرواية من قصة عاشقين إلى حكاية عن الصراع على المعرفة فمن يمتلك الماضي يستطيع أن يوجه الحاضر، ومن يعيد تفسير التاريخ يستطيع أن يصنع مستقبلا جديدا.

تخوض الرواية ثلاث رحلات زمنية رئيسية ففي الرحلة الأولى يقترب مصطفى وماريا من مصر القديمة، وفي الثانية يجدان نفسيهما في أجواء الفتنة التي سبقت معركة الجمل، وفي الثالثة يواجهان مستقبلًا مدمرًا تسيطر فيه كائنات تُسمى (الرماديين) على العالم، بينما تقاومها جماعة (أصحاب النور)

هذه الرحلات لا تؤدي وظيفة المغامرة فقط، بل تبني تصورًا دائريًا للتاريخ.

الماضي لا يختفي، والحاضر ليس منفصلًا عنه، والمستقبل قد يكون نتيجة مباشرة للأخطاء التي نرتكبها الآن. وفي الرحلة الخاصة بالفتنة، يركز الكاتب على دور المحرضين الذين يشعلون الخلاف بين الأطراف، وكأنه يريد القول إن الانقسام لا ينشأ دائما من اختلاف جوهري، بل قد تصنعه جماعات تستثمر في الخوف وسوء الفهم.

أما المستقبل الرمادي فيعمل بوصفه صورة مكبرة لعالم فقد روحه.

فالكائنات الرمادية لا تمثل خطرًا خارجيًا فحسب، بل تمثل أيضًا عالمًا آليًا منزوع العاطفة، لا مكان فيه للرحمة أو الإيمان أو الذاكرة. وفي المقابل، لا يعتمد (أصحاب النور) على التفوق المادي، بل على الإيمان والعزم والقدرة على المقاومة.

وهنا تعود دلالة العنوان مرة أخرى فلا خلاص لمن ينتظر، بل لمن ينهض في اللحظة المناسبة.

مع ذلك، تبدو الرحلات الزمنية أحيانًا قليلة محكومة بالرغبة في الشرح أكثر من رغبتها في بناء المشهد.

فالشخصيات تتوقف طويلًا لتفسير الأحداث التاريخية أو العقائدية، وقد يتحول الحوار في أحيان معدودة إلى منبر مباشر يعلن موقف الرواية بدل أن يترك للقارئ فرصة استنتاجه. كما أن بعض عناصر المؤامرة، مثل المنظمة العالمية و(السيد الأعظم)، تأتي بصورة نمطية؛ فالشر فيها واضح ومطلق، وأتباعه متشابهون في القسوة والمراوغة. وكان تعميق دوافع هؤلاء أو منحهم قدرًا من الالتباس سيجعل الصراع أكثر عمقا.

تقوم لغة الرواية على مزيج من الفصحى السردية واللغة الوجدانية ذات النفس الخطابي. يمتلك محمد فايز حجازي قدرة واضحة على بناء الصورة، خصوصًا في وصف القاهرة القديمة والمرض والليل والبيوت والرحلات الغرائبية. كما أن خلفيته المعرفية تظهر في استدعاء التاريخ والعمارة والمخطوطات والخط العربي، وهي عناصر تمنح العالم الروائي ميزة وخصوصية .

تمنح النهاية الرواية بعدا ميتاسرديا لافتا فنكتشف أن مصطفى صار طبيبًا متخصصًا في جراحة الأورام، وأن ماريا أصبحت زوجته، وأنهما أنجبا أبناء، ثم قررا نشر الرواية التي كتبها كل منهما عن رحلاتهما وتجربتهما. وعندما يسأل مصطفى عن اسم العمل، يجيب: (أوان الشد)

هذه النهاية تعيد قراءة الرواية كلها. فما قرأناه لا يعود مجرد مغامرة متخيلة، بل يصبح كتابًا داخل الكتاب، وشهادة مشتركة على الحب والذاكرة والمقاومة. كما أن انتقال مصطفى من الفقد بسبب المرض إلى علاج مرضى السرطان يمنح مساره معنى دائريا جميلًا؛ فهو لا ينتصر على الموت، لكنه يختار أن يقاومه كل يوم.

أما ماريا، فتبقى شريكة في صناعة الحكاية لا شخصية هامشية داخلها.

قد يرى بعض القراء أن النهاية سعيدة أكثر مما ينبغي، أو أنها تغلق الأسئلة بسرعة بعد كل ذلك القلق والتهديد. غير أنها بهذا أكثر انسجاما مع روح الرواية وواضح أن الروائي يريد أن يمنح الحب والوفاء والمعرفة فرصة أخيرة للانتصار. لذلك لا تنتهي الحكاية عند نجاة العاشقين، بل عند قدرتهما على تحويل ما عاشاه إلى أثر مكتوب يصل إلى الآخرين.

تتمثل قيمة (أوان الشد) في طموحها وطموح راويها إلى جمع مسارات كثيرة داخل نص واحد الرواية العاطفية، والرواية التاريخية، والفانتازيا الزمنية، وأدب المؤامرة، والتأمل الديني والأخلاقي. نجح العمل في كثير من هذة المسارات، لكنه يظل نصًا ممتلكًا لرغبة حقيقية في قول شيء عن زمننا مثل فقدان الذاكرة يفتح الباب أمام التلاعب، وإن التعصب يهدم ما تبنيه الحياة اليومية من جوار ومودة، وإن الإنسان لا يملك دائمًا تغيير التاريخ، لكنه يملك أن يرفض أن يكون أداة في يد من يزورونه.

الرواية محكمة تمامًا من جهة الإيقاع وبناء الشخصيات المعادية، كما أن خطابها التفسيري متوازن مع تعدد الأصوات والتأويلات. وتعوض ذلك بصدق عاطفي، وبحضور قوي للمكان، وبقدرة على خلق عالم روائي واسع يربط الحي الشعبي بالمخطوط، والمخطوط بالتاريخ، والتاريخ بالمستقبل.

(أوان الشد) رواية مؤمنة بأن الحكاية يمكن أن تكون وسيلة مقاومة. وهي لا تطلب من قارئها أن يصدق كل عناصرها الغرائبية بقدر ما تدعوه إلى أن يسأل نفسه: ماذا يفعل حين يأتي أوان الشد؟ هل يكتفي بالمشاهدة، أم يختار أن يشد عزيمته، ويحمي ذاكرته، ويقف إلى جوار من يحب؟ هنا تحديدًا تستعيد الرواية بيتها الشعري الأول، لا بوصفه شعارًا، بل بوصفه امتحانًا مفتوحًا للقارئ نفسه.

ظهرت المقالة “أوان الشد” لمحمد فايز حجازي.. حين يتحول الحب إلى امتحان للتاريخ والذاكرة أولاً على جريدة المساء.

ما هو رد فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow